- على امتداد ما يقرب من نصف قرن - كبيرا من أجل تجديد دين الإسلام لتجدد به دنيا المسلمين . . وكثيرا ما تحدث عن الإسلام باعتباره « دين الفكر ، ودين العقل ، ودين العلم » . . وعن رسول الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) الذي لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير ، والذي لم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبون من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم :
( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ .
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
« 1 » .
وتحدث عن القرآن الكريم « الذي ارتفع بالعقل ، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببا في عذاب الآخرة ، فقال حكاية لما يجري على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به :
( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ )
« 2 » .
« وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل ، ودين العلم ، أنه حذر من اتباع الظن ، وجعل البرهان والحجة أساس الإيمان ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) « 3 » .
ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد والجمود على ما كان عليه سلفهم ، وجرى الخلف وراء السلف ، دون نظر واستدلال . . وكأنهم يرون أن السبق الزمني يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات وأفهامهم في النصوص قداسة الحق وسلطان البرهان ، فالتزموها وتقيدوا بها ، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان ، خاصة البحث والنظر
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ . قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا )
« 4 » .
« فالجمود عند الموروث ، والاكتفاء به مصادم لما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كل حي من النمو والتوليد . . والتناسل الفكري كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني ، كلاهما شأن لابد منه في الحياة ، ولو وقف التناسل الفكري لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها ، وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية . . فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكلت إليه منذ القدم » . .
« وكذلك . . فالجمود على آراء المتقدمين ، لمجرد أنهم متقدمون ، فيه سلب لمزية الإنسان في التمييز بين الحق والباطل ، والملائم وغير الملائم . . فيقاد بالزمام ، وزمامه صور الآباء والأجداد ، فهي دائما تجذبه القهقرى ، ولا تجد من نفسه عونا على التقدم ، فيقع في ضيق من الحياة المتجددة
هامش
( 1 ) - العنكبوت / 59 - 51 .
( 2 ) - الملك / 10 .
( 3 ) - الأنعام / 148 .
( 4 ) - البقرة / 170 .