فمع النشاط والخلاقية في جميع انحاء أوروبا كان الدور المؤثر والواقع للشعراء والمفكرين والفلاسفة والكتّاب في تقديم حضارة جديدة .
فمظهر أوروبا في النصف الثاني من القرن 19 كان متسماً بالرفاهية والتنعم والتقدم ، وهذه الحالة لم تشمل الا القليل ، وأكثرية المجتمع يعمها الفقر والبلاء ، وكانت أوروبا تمر بحالة مخاض صعب وبسبب الحرب العالمية الأولى عام 1914 م الشاملة لاوروبا وأكثر بقاع الأرض .
تحرر الغرب من سلطة الكنيسة ، ودفع الثمن باهضاً ، ولّدت حالة غضب عارمة ضد المذهب عموماً ، وضعفت الأسس الاعتقادية تزامناً مع التطور والازدهار والتنمية في الغرب ، وخيّم الاستعمار والاستثمار والاستحمار في سائر الدول الأخرى ، وخصوصا الدول الاسلامية . وقد عم الجمود والسكون العالم الاسلامي بعيدا عن اي تغيير وتطور .
استمرارية السلطة الاستعمارية والتخلف العام في العالم الاسلامي من جهة ، والتطور الأوروبي المدهش من جهة أخرى ، دعا المفكرين والعقلاء في العالم الاسلامي لايجاد التغيير والاصلاح في الدول الاسلامية .
فكان هناك تياران الأول جمع من النخب الفكرية المبهورة بالحضار الغربية ، الذين لا يرون سبيلا للاصلاح الا اتباع الغرب وترك التراث الموروث . الثاني مجموعة من الاصلاحيين طالبوا باحياء الفكر الديني في المجتمع الاسلامي ، وصبوا جل اهتمامهم في محورين : مقاومة الهجمة الغربية سياسيا ، واجتماعيا وفكريا وثقافيا ، واصلاح الفكر الديني وتنقيته من البدع والخرافة والزوائد وتقديم الاسلام الأصيل . وهاجسهم الوحيد هو الحفاظ على وحدة الأمة الاسلامية والابتعاد عن الخلافات الجزئية الطبيعية بين الفرق الاسلامية .
أصحاب التيار الثاني لم ينكروا على الغرب تطوره وتقدمه العلمي والصناعي ، ولكن لم يتبعوه بكل ما يحمل من سلبيات في الجانب الأخلاقي والمعنوي والاعتقادي ، بل في اطار المبادئ الفكرية الاسلامية والاعتقادية واصلاح الفكر الديني ، داعين للأخذ بالعلوم الجديدة والاقتباس من التطور الغربي لتقوية المجتمع الاسلامي وتنميته ، واعلاء السيادة الاسلامية . وبامكاننا حصر أهداف تيار الاحياء الديني بثلاث نقاط :
1 - تنزيه العقائد الاسلامية من الخرافة والبدعة التي دخلت في الاسلام والعودة إلى الاسلام الأصيل .
2 - ملاحظة متطلبات العصر والتعقل في التعاليم الاسلامية .
3 - مقاومة الغرب وإقامة الوحدة الاسلامية امام الاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي والسلطة العسكرية الغربية .
فكانت انطلاقة الحركة الاصلاحية الدينية في العالم الاسلامي على يد جمال الدين الأفغاني ( الأسد آبادي ) ( 1254 1314 ه - . ق / 1839 1897 م ) الذي بدأ باحياء الفكر الديني واصلاح الفكر الحاكم في المجتمع الاسلامي آنذاك ، وإقامة الوحدة الاسلامية بنشاطه الفكري
رجالات التقريب — صفحة 158
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص١٥٨