هامش
- يا لجلال الموقف ! ما هذه الكلمة التي يبتغيها شيخ جليل ابيّضت شيبته في خدمة الإسلام والذبّ عن شريعة جدّ الحسين وأهل بيته ؟
« لا أدعو عند رأس الحسين إلّاإذا خشع القلب ودمعت العين . وهذا دعائي ، ولا أزيد عليه حرفاً واحداً : أنا لا أبكي عليك يا أبا عبداللَّه لأنّك في غنىً عن اللطم والبكاء ، فمقامك عند اللَّه لا يصل إليه إلّامن بذل في سبيل اللَّه ما بذلت ، وإنّما أبكي على نفسي ومن ذنوبي وخطاياي عند مرقدك الشريف ، راجياً أن تشفع غداً وتقول ساعة الحساب : دعوا هذا العبد لي ومن أجلي ، ولهذا وحده قصدتك ووفدت ضيفاً عليك ، فهل تضيق برجائي هذا وسؤالي منك كلمة واحدة فقط لا غير تقولها غداً ؟ وفي تقديري أنّك لا تبخل بها . كيف ! وقد جدت بلحمك ودمك وأهلك وأصحابك من أجل المساكين والضعفاء » .
هذا حال مَن لم يله عن نفسه بكتابه وقلمه والعمل من أجل الناس ، بحيث تستغرقه هذه الهموم وتدفع به إلى الغفلة والغرور ، ذلك أنّ « الشقي من انخدع لهواه وغروره » ، كما في الحديث الشريف .
ومن حسن توفيقه أنّه أمضى أيّامه الأخيرة مع الحسين السبط ، يتنقّل بجسده العليل وقلبه المتعب من مجلس حسيني إلى مجلس عزاء آخر ، وهو يجهش بالبكاء أكثر من أيّ عاشوراء مرّت ، وكأنّ نداءً علوياً يهتف به : إنّ عاشوراء هذه هي آخر عمرك من الدنيا .
لقد أطلّ محرّم عام 1400 ه ، وقد تعذّر على الشيخ ذهابه إلى كربلاء المقدّسة لأسباب اختلط بها العامل الأمني مع الصحّي ، لذلك راح يعوّض بمأتم الإمام سيّد الشهداء في بلده .
حضر الليالي الأُولى من المحرّم في حسينيّة النبطيّة بالجنوب ، وفي الليلة الرابعة ذهب إلى حسينيّة صيدا ، فطلبوا منه أن يلقي كلمة - ولو قصيرة - فاعتذر لمرضه ، ولكنّه اعتلا المنبر بعد أن ألحّوا عليه ليقطع خطابه فجأةً ، حيث تهاوى وغاب عن الوعي . .
هبّ أربعة من الأطبّاء من حضور المجلس لإنقاذه بأُسلوب الصدمات والتدليك ، عندما استجاب القلب واستفاق مغنيّة من غيبوبته ليجد نفسه في غرفة العناية الفائقة في المستشفى ، ألمّ به الألم أن لا يكون قد مات في الأيّام الحسينيّة هذه ، وكم عاتب الأطبّاء الذين أنقذوه أنّهم فوّتوا عليه فرصة الموت من على منبر الحسين عليه السلام .
بقي أربعة أيّام في المستشفى ، وعندما غادرها أصرّ على حضور المجالس الحسينيّة ، فذهب -