تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيدة نفيسة رضي الله عنها — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
فأنت ترى أن اللَّه تعالى قد بيّن لنا أنّه سبحانه وتعالى له أولياء ، وأنّ هؤلاء الأولياء هم الذين آمنوا وكانوا يتّقون ، وبيّن حالهم في الدنيا فقال :
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
أي أنّهم بلغ من أمرهم في معاملاتهم وكافّة شؤونهم أنّ شيئاً ممّا قدّر لهم لا يفوتهم ، ولا يحزنون على شيءٍ قد فاتهم ، لأنّهم يعلمون حقّ العلم أنّ كلّ ما قدّره اللَّه لهم ، وعلم أن يكون لهم ، لابدّ أن يصل إليهم ، فلا يفوتهم منه شيء ، فهم مصدّقون بالقضاء والقدر ، فإن فاته شيء ممّا يطلبه لا يحزن على فوته ؛ لاعتقاده أنّه لم يقدَّر له ، ولو قدِّر له ما فاته ، كما أنّ ما وصل إليه إنّما وصل بقضاء اللَّه وقدره ، فهو واثق باللَّه تمام الوثوق ، ولذلك وعدهم بأنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ووصفهم أيضاً بأنّه يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب إيمانهم ، كما يشعر بذلك تعليق الحكم بإخراجهم بالإيمان الذي استفيد من الموصول والصلة . فالوليّ شرعاً بمقتضى هاتين الآيتين هو من يتولّى اللَّه تعالى ، ويتّخذه مولىً له ، فيؤمن به ويتّقيه ، ويمتثل أوامره ، ويجتنب نواهيه ، ويتولّاه اللَّه تعالى بأن يوفّقه فيخرجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، فكلّ مؤمن له قسط من الولاية على قدر قسطه من إشراق نور الإيمان في قلبه وتقواه ، أوشرح صدره للإيمان والاسلام . وإذاً فكلّ مؤمن وليّ ، وإنّما تختلف درجات الولاية على حسب اختلاف درجات التقوى ، فمن المؤمنين من يتّقي الخلود في النار بأن يكون مؤمناً عاصياً ، ومنهم من يتّقي دخول النار بأن يكون مؤمناً مطيعاً للَّه‌في كلّ أعماله ، مراقباً له تعالى في سرّه وجهره ، معتقداً تمام الاعتقاد أنّ اللَّه تعالى معه أينما كان ، وأنّه لا يكون في شأن ولا يعمل من عمل إلّاواللَّه معه حين يفيض في الشأن أوالعمل ، راجياً ثواب اللَّه تعالى ، خائفاً من عقابه . وقد عرّف علماء الكلام « 1 » الوليّ بأنّه هو العارف باللَّه تعالى وصفاته ، المواظب على الطاعات ، والمجتنب للمعاصي ، المعرض عن الانهماك في اللذّات والشهوات ، فهو القائم بحقوق اللَّه وحقوق العباد حسب الإمكان . ولذلك قال عبد السلام صاحب « الجوهرة » في الوليّ : إنّه هو من تولّى اللَّه تعالى أمره ، فلم يكله إلى نفسه ولا إلى غيره لحظة ، أوالذي يتولّى عبادة اللَّه تعالى وطاعته ، فعبادته تجري
هامش
( 1 ) انظر شرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني : ج 5 ص 72 .
السيدة نفيسة رضي الله عنها — صفحة 160 | توفيق أبو علم / شوقي محمد