ونلاحظ أن هناك توافقا تاماً بين أهل السنة وبين الشيعة الإمامية حول المنظور الإسلامي للأمة ، والمرتكزات التي يتشكل على أساسها مفهوم الأمة ، وهو يتناغم مع المنظور الإسلامي العام للأمة ، المرتبط بنظرة الإسلام للإنسان والإنسانية . فالإسلام ينظر للإنسانية بوصفها كتلة واحدة ، استخلفت لإعمار الأرض ، وأداء رسالتها لتحقيق إرادة الله وشريعته ، استنادا لقوله تعالى
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
« 1 »
. ،
فجميع البشر في مقام العبودية لله ، والخلافة عنه ثم المسؤولية أمامه ، دون اختلاف إنسان عن إنسان آخر ، فجميع الإنسانية مستخلفة ، ومسؤولة إمام الله بدرجه واحدة
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
« 2 » وقد كانت الإنسانية في مراحلها التاريخية مجتمعة في أمة واحدة ، من حيث علاقتها بخالقها عز وجل
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
« 3 » على الفطرة التي فطروا عليها .
وفي هذا المجال ، لا يجوز إخراج أي فرقة أو جماعة إسلامية تؤمن بأركان الإسلام ومبادئه خارج الأمة ، كما لا يجوز استخدام السلطة السياسية لتحقيق وحدة عقدية وتصفية المعارضين ، لأن ذلك لا ينسجم مع مقاصد الشريعة ومبادئها العامة ، فالوحدة العقدية الواجب توفرها لتشكيل مجتمع سياسي تتعلق بالحد الأدنى من التجانس العقدي ، لتحقيق وحدة الفعل السياسي ، أي بالإطار العقدي العام الذي يجمع مختلف التقسيمات والفروع الأخرى ، وفي هذا المجال فإنه لا يجوز إخراج الفرق والتيارات والجماعات المعارضة من الملة ، وكل من يؤمن بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأركان الإسلام الأخرى هو مسلم له حق التمتع بهوية الأمة الإسلامية ، أما القوة والقهر فلا يصح استخدامهما لإخراج المعارضين من الملة . إن التحدي الذي يواجهنا في عصرنا الحاضر هو حول إمكانية إخضاع وصهر الولاء القومي والقطري ، والقبلي ، لصالح بناء أمة إسلامية واحدة .
ويرى الباحث بأنه على الرغم من الانقسامات السياسية المتعددة التي شهدها التاريخ الإسلامي ، إلا أنها قد اقتصرت في معظمها على بنية الدولة وعلى الجغرافية السياسية ، ولم
هامش
( 1 ) - هود ، آية 61 .
( 2 ) - النساء ، آية 1 .
( 3 ) - البقرة ، آية 213 .