تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ففي الفقه السياسي يشترط في الترشّح لمنصب الرئاسة شروط كثيرة تتركز في مجملها على المنحى الإيماني والأخلاقي والعلمي كما هو واضح ، ثّم يوكل إليه التصرّف في شؤون الأمة باجتهاده ، تصرّفاً يشبه أن يكون مطلقاً ، في نطاق ما هو مسموح به في الشرع ، وليس في هذا الفقه من أحكام الشورى المقيّدة لتصرّف الرئاسة قدر ذو بال ، وإن وُجد شيء من ذلك فإن الشورى المعلمة لا الملزمة كانت هي الصوت الأعلى فيه ، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في الدولة الإسلامية طيلة تاريخها تقريباً . ويبدو أنّ الفقه السياسي الإسلامي كان ينحو في هذا الشأن المنحى المثالي المجرّد من جهة ، ومنحى اتّقاء الفتنة والسيطرة من جهة أخرى ، وكأنّ الشروط الإيمانية والأخلاقية المشروطة في الإمام ، اتُّخذت مبرّراً لتوسيع سلطته ، واعتبرت ضماناً للالتزام بالعدل والابتعاد عن الاستبداد ، فأوكل الإمام إذن إلى تقواه وعلمه في تصرّفاته ، وانحسرت بذلك الأحكام الشرعية المقيدة لتلك التصرّفات من خارج ذات الإمام مثل أحكام الشورى وما في حكمها . وفي هذا الصدد يمكن في سبيل المراجعة ، العودة إلى نصوص الشرع وإلى واقع ما جرى به التاريخ ، فقد جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام في الشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 1 » وفي قوله تعالى :
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
« 2 » وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي ، إذ لم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلّا عن مشورة من أصحابه ، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه ، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم ، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمة ، فإن شهوة السلطان سريعاً ما تسقط به في مهاوي الاستبداد . إنّ هذا التأصيل من جهة ، وهذه العبرة التاريخية من جهة أخرى يدفعان إلى ضرورة أن يتّجه الأنموذج بشأن الرئاسة وجهة التأسيس للأحكام الشرعية التي تضمن أن يتصرّف رئيس
هامش
( 1 ) - آل عمران ، آية 159 ( 2 ) - الشورى ، آية 38 .
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة — صفحة 212 | محمد عبد الكريم عتوم