إن التعريفات والاصطلاحات المتعددة والمتنوعة للدولة في الفكر السياسي الغربي الحديث ، هو الذي أوقع كثيراً من المفكرين الإسلاميين المعاصرين بإشكالية عدم القدرة على بلورة وتأصيل مفهوم الدولة في التراث الإسلامي ، خاصة أن مفهوم الدولة المعاصرة كما أوضحنا أصبح يشمل عدة مجالات مختلفة ، أبرزها :
. الدولة كنظام قانوني مؤسس ، أو باعتبارها بيروقراطية عامة متجانسة .
. الدولة باعتبارها السلطة السياسية أو الحكومة ، أي مجموعة النخب القيادية صاحبة السلطة في اتخاذ القرار .
ج . الدولة باعتبارها نظاماً معيارياً متكاملًا للقيم العامة .
د . الدولة الحاكمة أو الطبقة الحاكمة أو التعبير السياسي عن مصالح الطبقة المهيمنة « 1 » .
وبالتالي يمكن تحديد مفهوم الدولة بأنها " تنظيم القوة في المجتمع على أساس قانون متواضع عليه مما يستدعي ضرورة قيام الدولة على مشروعية معينة ، فهي أوسع من مجرد مجموعة القوانين ، فالدولة تقوم بمهمة التحكيم حيث هناك علاقة عاطفية وعمليات تفويض وتمثيل وتنازل ، كذلك للدولة وظيفة قسرية وإكراه وقهر وعنف تبرر بسبب الغاية ، لتنظيم العلاقات بالمجتمع " « 2 » .
فالدولة بهذه الصورة وهذا المضمون ، هي نتاج تطور تاريخي غربي منذ عصر النهضة والثورة الصناعية ، ولم تكن المجتمعات الإسلامية جزءاً من هذا التطور التاريخي وعلى هذا الأساس فإن من يحاول البحث عن نظرية للأنموذج الأوروبي للدولة في التاريخ والفقه الإسلامي فلن يجد لها أثراً ملحوظاً .
ويظل السؤال مطروحاً وهو : هل عرفت المجتمعات الإسلامية نظرية عن الدولة ؟ والجواب على ذلك ، هو بالإجابة شريطة استبعاد النموذج الغربي للدولة .
لقد ابتدأت الدولة الإسلامية بدولة المدينة التي أقامها الرسول ( ص ) في المدينة المنورة ، وكانت " وثيقة المدينة " هي الدستور لهذه الدولة الناشئة ، حيث إن الخطوة الأساسية لأية دولة
هامش
( 1 ) - سعد الدين ، 1988 ، 64 .
( 2 ) - بودون وبوريكو ، 1986 ، المعجم النقدي ، 309 .