فتعاظم ذلك عند الأغنياء ، وأذاعوا القبيح وارتابوا وشكّوا فيها ، ووقعت الفتنة في قلوب المرتابين ، حتّى قال قائلهم : يا روح اللّه وكلمته ، إنّ المائدة بحقّ أنّها تنزل من عند ربّنا ؟ ! فقال عيسى : ويلكم ! هلكتم ، العذاب نازل بكم ، إلّا أن يعفو اللّه ويرحمكم » . فأوحى اللّه إلى عيسى : إنّي آخذهم بالشرط الذي اشترطت ، إنّي معذّب منهم من كفر بعد نزولها بعذاب
لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
« 1 » فقال عيسى :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 2 » » . وخبّرهم بنزول العذاب عليهم ، فمسخ اللّه منهم ثلاثة وثلاثين رجلا خنازير ، وأصبحوا يأكلون العذرة في الحشوش ويتبعون الزبل في الطرق ، وكانوا يأتون أوّل الليل على فراشهم مع نسائهم آمنين في دورهم في أحسن صورة وأوسع رزق ، فأصبحوا خنازير ، وأصبح الناس - من بقي - خائفين من عقوبة اللّه ، وعيسى يبكي ويتضرّع ، وأهلوهم يبكون معه عليهم ، وجاءت الخنازير تسعى إلى عيسى حين أبصرته ، فطفقوا وعيسى يدعوهم : يا فلان ، ويا فلان ، فيقول برأسه : نعم ، فيقول : « ألم أنذركم عقوبة اللّه » ؟
فيقولون برؤوسهم ، أي نعم ، « وأحذّركم وأخوّفكم عذابه ، وكأنّي كنت أنظر إليكم في غير صوركم » . فذلك قوله تعالى :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
« 3 » . وأنزل اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
« 4 » .
ثمّ إنّ عيسى سأل ربّه أن يميتهم ، فأماتهم بعد ثلاثة أيّام ، فما رأى أحد من الناس لهم جيفة في الأرض ؛ لأنّ العقوبة إذا نزلت من اللّه استأصلت ، فنعوذ باللّه من غضبه . « 5 »
هامش
( 1 ) . المائدة : 115 .
( 2 ) . المائدة : 118 .
( 3 ) . المائدة : 78 .
( 4 ) . الرعد : 6 .
( 5 ) . تاريخ مدينة دمشق 47 : 401 .