تروح وتأتي وتكثر حينا وتندر في غير ذلك من الأحيان .
أمّا حبّ المنفعة فإن سمّيته فضيلة فهو من الفضائل التي لن تفارق الأحياء أجمعين من ناطقة وعجماء .
* * * على أنّ الطبائع الآدميّة قد أشربت حبّ الشهداء والعطف عليهم وتقديس ذكرهم بغير تلقين ولا نصيحة ، وإنّما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة أو باقية تمنعها أن تستقيم معها .
وأكثر ما تأتي هذه العوارض من تضليل المنفعة والهوى القريب ، أو من نكسة في الطبع تغريه بالضغن على كلّ خلق سوي وسجيّة سمحة محبّبة إلى الناس عامّة ، أو من الإفراط في حبّ الدعة حتّى يجفل المرء من الشهادة استهوالا لتكاليفها واستعظاما للقدوة بها ، فيتّهم الشهداء بالهوج ويتعقّب أعمالهم بالنقد لكيلا يتّهم نفسه بالجبن والضعة ويستحقّ المذمّة واللوم في رأي ضميره .
وإن لم يتّهمهم بالهوج ولم يتعقّبهم بالنقد وقف من فضائلهم موقف إزورار وفتور ، وجنح إلى معذرة الآخرين والتفاهم بينه وبين من لا يستشهدون ، ثمّ يعارضون الشهداء فيما يطمحون إليه .
ومعظم المؤرّخين الذين يعارضون الشهداء ودعاتهم لغير منفعة أو نكسة هم من أصحاب الدعة المفرطة وأنصار السلامة الناجية ، ويغلب على هذه الخلّة أن تسلبهم ملكة التأريخ الصحيح ؛ لأنّها تعرّضهم للخطأ في الحكم والتفكير ، كما تعرّضهم للخطأ في العطف والشعور .
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع ) — صفحة 291
مساهمون: عباس محمود العقاد
ص٢٩١