خمسة آلاف مجلد ، وبقيت أفران عكا توقد أسبوعا كاملا من كتب العامليين ، ولم يسلم من ظلم الجزار إلا من استطاع الفرار ، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار ، ومن هؤلاء العالم الشاعر الشيخ إبراهيم يحى « 1 » هرب من الجزار إلى دمشق ، وفي نفسه لوعة وحسرة ، وذكرى فظائع الجزار لا تفارقه بحال ، وقد صورها ، وهو شاهد عيان ، في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب منها قصيدة طويلة مطلعها :
مضى ما مضى دالدهر بؤس وأنعم * وصبر الفتى ان مسه الضر احزم
* * *
يعز علينا ان نروح ومصرنا * لفرعون مغنى يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خلية * وفيها لأهل الجود جيش عرمرم
* * *
وعاثت يد الأيام فينا ومجدنا * وبالرغم مني ان أقول مهدم
ولست ترى إلا قتيلا وهاربا * سليبا ومكبولا يغل ويزغم
وكم علم في عامل طوحت به * طوائح خطب جرحها ليس يلأم
وأصبح في قيد الهوان مكبلا * وأعظم شيء عالم لا يعظم
وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى * وفي جيده حبل من الذل محكم
وكم هائم في الأرض تهفوا بلبه * قوادم أفكار تغور وتتهم
ولما رأيت الظلم طال ظلامه * وان صباح العدل لا يتبسم
ترحلت عن دار الهوان وقلما * يطيب الثوى في الدار والجار أرقم
تملكها والملك للّه فاجر * سواء لديه ما يحل ويحرم
عتل زنيم يظهر الدين كاذبا * وهيهات ان يخفى على اللّه مجرم
هامش
( 1 ) كتبت ترجمته في المجلد الثاني من دائرة المعارف اللبنانية ، لرئيس الجامعة اللبنانية فؤاد البستاني .