عن معدته ، وغريزته ؟ وفي المقابل يتعبد البعض الآخر للدّنيا كلّ التّعبد ، ويؤثرها على دينه ، وآخرته ، والأوّل أفرط ، وأفسد بطغيان آخرته على دنياه ، والثّاني قصر ، وأضر بطغيان دنياه على آخرته ! والإمام عليه السّلام يقف موقفا وسطا بين هذين ، ويقول بأسلوب الدّعاء : « إنّ خلاص النّفس ، ونجاتها من غضب اللّه ، وعذابه ، بفعل الواجبات ، وترك المحرمات ، وكفى » « 1 » . وهذا معنى قوله : ( خذ لنفسك من نفسي ما يخلّصها ) ، ومتى أدت النّفس للّه تعالى كلّ ما عليها ، فلها أن تسرح ، وتفرح بزينة الحياة الدّنيا ، والطّيبات من الرّزق كما نصت الآية :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
« 2 » . وبهذا نجد تفسير قوله : « وأبق لنفسي من نفسي ما يصلحها » وفيه إيماء إلى أنّ النّفس لا تصلح بالضغط ، والحرمان ، ومن هنا جاء النّهي في قوله تعالى :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
« 3 » .
أما قول الإمام عليه السّلام : ( فإنّ نفسي هالكة ، أو تعصمها ) فمعناه أنّ التّوازن ، والتّعادل بين كفة العمل للآخرة ، وكفة العمل للدّنيا صعب مستصعب إلا بحبل من اللّه ، وتوفيقه ( أللّهمّ أنت عدّتي إن حزنت ) أنت المفزع ، والملجأ إن اشتدت الأزمات ، وضاقت الحلقات ( وأنت منتجعي ) المنتجع : الموضع الّذي يقصده المحاويج ( وبك استغاثتي إن كرثت ) لا أستغيث إلا بك إن نزلت بي كارثة ( وعندك ممّا فات خلف ) إذا افتقد عبدك نعمة عوّضته بغيرها ، وفي الأمثال : يد تشج ،
هامش
( 1 ) تقدّم استخراجه .
( 2 ) الأعراف : 32 .
( 3 ) القصص : 77 .