تمهيد : الإلهيات بالمعنى الأخصّ أشرف العلوم
من الواضح أنّ العلوم إنّما تتفاضل فيما بينها على أساس موضوعاتها ، وبتبع تلك الموضوعات تتفاضل الغايات ؛ لأنّ الموضوع إذا كان شريفاً فالغاية المترتّبة عليه تكون شريفة أيضاً ، للسنخيّة والمشاكلة بين الموضوع والغاية . على هذا الأساس يكون علم الإلهيّات بالمعنى الأخصّ أشرف العلوم لأنّ موضوعه وهو الحقّ تعالى وأسماؤه وصفاته وأفعاله أشرف الموضوعات .
قال صدر المتألّهين : « فهذا شروع في طور آخر من الحكمة والمعرفة ، وهو تجريد النظر إلى ذوات الموجودات وتحقيق وجود المفارقات والإلهيّات المسمّى
بمعرفة الربوبيّة والحكمة الإلهيّة . ولمّا كان أفضل نِعم الله الفائضة على خلقه وأشرف عطيّاته التي آتاها من لدنه عبداً من عباده ، هو الذي سمّاه الله في كتابه المنير بالخير الكثير أعني الحكمة الإلهيّة والمعرفة الربوبيّة . . .
ولا شكّ أنّها السعادة العظمى والبجهة الكبرى ، وبتحصيلها ينال الشرف الكبير والسيادة العليا التي تفوق سائر الدرجات الرفيعة والكمالات المنيعة ، وكلّ من آتاه الله نعمه يجب بحسبه عليه شكراً وإحساناً ، فيجب على من آتاه الله رحمةً من عنده وعلّمه من لدنه علماً ، وأفاده قوّةً في هذا العلم . . . أن يسارع إلى شكر نعمة الله وجوده ، ويبادر إلى إظهار كرمه ورحمته ، امتثالًا لقوله تعالى :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
( الضحى : 11 ) من إيضاح هذه المطالب المهمّة وكشف هذه المقاصد العليّة لينتفع بها العباد ، ويترتّب عليها