كانت بينها ارتباط ما طبيعي ، وكلّ عدد معدود من القوى أيضا مربوطة بارتباطات أخرى توجب كمال الارتباط به فعل واحدة منها مع الثانية دونه مع الثالثة ، ولذلك يصيب التفرّد في علاج الرذائل بعلاج واحدة منها دون الأخرى من بابها ، كما ذكره علماء الأخلاق في كتبهم « 1 » ، وقد شبّه ذلك المعلّم الأوّل أرسطو في كتابه بالحمام ، فإنّ حمامة واحدة تجلب جماعة « 2 » .
هذا ، وأمّا العادي فيجريان العادة واتّفاق الأسباب على أمر وذلك يوجب انصراف النفس إليه وغفلتها عن خلافه ، ومن هنا كانت العلوم تختلف في حصولها ، إذ قد بيّنا في كتاب البرهان « 3 » أنّ التكثّر في العلوم إنّما يكون بالتنبّه أوّلا ، وهو الحدس الإجمالي قبل الإذعان وجريان العادة ، وتراكم ورود النظائر والاشتباه إلى النفس يوجب صرفها وتوجّهها إلى الوارد وغفلتها عن خلافه ، ولذلك ما نرى من
هامش
( 1 ) يوجد ما يقرب من هذا المعنى في كتاب ( جامع السعادات : 1 : 61 ) ، فصل النفس وأسماؤها وقواها الأربع ، وتجدر الإشارة إلى أنّ الشيخ النراقي صاحب كتاب جامع السعادات يشير إلى أنّ سبب التصادم بين القوّة الأربع ، وهي : القوّة العقليّة ، والقوّة الغضبيّة السبعيّة ، والقوّة الشهويّة البهيميّة ، والقوّة الوهميّة الشيطانيّة ، هو القوّة العقليّة فيها يحصل التدافع بين سائر القوى .
والدليل على ذلك أنّه ليس في نفوس سائر الحيوانات تنازع وتجاذب لفقدانها القوّة العاقلة ، فإنّ الغلبة في السباع للغضب ، وفي البهائم للشهوة .
( 2 ) هذا المعنى موجود في أحد الكتب الأخلاقيّة للمعلّم الأوّل ، وهي :
1 - كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس .
2 - كتاب الأخلاق إلى اوذيموس .
3 - الأخلاق الكبرى .
4 - السياسة .
5 - دستور الأثينيّين .
( 3 ) الفصل الثاني من المقالة الأولى من كتاب البرهان .