المحور الأوّل : في معنى نظريّة الاعتبار :
إنّ المعاني التي لدينا ، أي : التي تحصل في أذهاننا على قسمين :
معاني حقيقيّة : وهي المعاني التي في الذهن ، وتقع على الموجودات الخارجيّة ، ويكون ما بإزاء هذه المعاني موجودا في الخارج ، سواء انتزعنا منها هذه المعاني وتعقّلناها أم لا .
ومعاني اعتباريّة : وهي المعاني التي لو أغمضنا وقطعنا النظر والتعقّل عنها لم يكن لها حقيقة في الخارج ، وذلك كمعنى : الملك ، والرئاسة ، وغيرهما . وهذه المعاني هي التي يكون التغيّر والتبدّل والاختلاف بحسب الأنظار فيها .
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المعاني - الاعتباريّة - موجودة في الذهن ، لكن ليس بإيجاد الذهن إيّاها واختلاقه لها من غير استعانة بالخارج ، بل الذهن يوقعها على الخارج بتوهّم أنّها في الخارج ، وإلّا لو كانت بإيجاد الذهن لها من غير استعانة بالخارج لكانت إمّا غير صادقة على الخارج أصلا ، أو واقعة على جميع ما في الخارج ، لاستواء النسبة إلى الجميع .
فتبيّن : أنّ انتزاع الذهن إيّاها إنّما يكون بالاستعانة من الخارج ، وحيث إنّ هذا الارتباط ليس بحقيقي لعدم تحقّقها في الخارج فهو وهمي بتوهّم الذهن أنّها من المعاني الحقيقيّة .
وانطلاقا من البيان المتقدّم يعرّف الاعتبار : بأنّه إعطاء حدّ الشيء لشيء آخر ، ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه يرى أنّ الإنسان بعد كمال خلقته ووجوده في هذا العالم يسعى لسدّ حاجته ونواقصه من خلال الحركة والفعل الدؤبين ، وبما أنّ كلّ فعل من مقدّماته الإرادة ، وهذه الإرادة التي هي مقدّمة الفعل تحتاج بدورها إلى مقدّمات .
ومن هذه النقطة بالتحديد يحاول العلّامة قدّس سرّه بناء نظريّته ، حيث يؤكّد على أنّ