وإذا كانت ملكاتها غير حاجبة عن الكلّيات ، أشرفت أحيانا على أنوار عالم التجرّد ووجودها ، وهي في البهاء والسناء والجمال والكمال بحيث لا يقدّر بقدر الصور ، ولا يقاس بقياس المثال ، ويتكرّر هذا الإشراف حتّى تتمكّن النفس منه تمام التمكّن ، وتأخذها مقاما ، وترتقي درجة ، فتشرف حينئذ على نشأة الأسماء ، وهي عالم المحض من كلّ معنى ، والبحت من كلّ بهاء وسناء ، فتشاهد علما بحتا ، وقدرة بحتة ، وحياة بحتة ، ومن الوجود والثبوت والبهاء والسناء والجمال والجلال والكمال والسعادة والعزّة والسرور والحبور ، من كلّ منها ، البحت المحض ، حتّى تلحق بالأسماء والصفات ، ثمّ تندمج باندماجها في الذات المتعالية ، ثمّ تغيب بغيبها ، وتفنى بفناء نفسها ، وتبقى ببقاء اللّه سبحانه وتعالى عن كلّ نقص
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
« 1 » ،
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
« 2 » . هذا إذا كانت ملكاتها مقدّسة ملائمة لعالم القدس .
وإذا كانت ملائمة لثقل هذه النشأة غير ملائمة لعالم القدس ، فتنعكس كلّما تشاهده ألما عليها ، وعذابا من أنواعه ، كلّما أرادت أن تخرج من غمّ بواسطة أصل ذاتها ، أعيدت فيها بواسطة ردائة ملكاتها ، وقيل لها : ذوقي عذاب الحريق .
هذا ، وليس الأمر على ما تزعمه العامّة ، من أنّ جنّة السعداء حديقة فقط ، وأنّ نار الأشقياء حفرة نار فقط ، بل هي نشآت تامّة وسيعة أوسع من هذه النشأة بما لا يوصف .
وقد ظهر ممّا قدّمنا أنّ بين البدء والعود فرقا من وجهين :
أحدهما : أنّ العود أوسع من البدء ، من حيث اتّساع النفس بمعلوماتها في نشأة المادة .
هامش
( 1 ) سورة النجم : الآية 42 .
( 2 ) سورة العلق : الآية 8 .