فاعلم أنّ أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي والأئمّة عليهم السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر :
فإنّهم أثبتوا القِدَم للعقل ، وقد ثبت التقدّم في الخلق لأرواحهم .
وأيضاً أثبتوا لها التوسّط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير ، وقد ثبت في الأخبار كونهم عليهم السلام علّة غائية لجميع المخلوقات ، وأنّه لولاهم لما خلق الله الأفلاك وغيرها .
وأثبتوا لها كونها وسائط في إفاضة العلوم والمعارف على النفوس والأرواح ، وقد ثبت في الأخبار أنّ جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسّطهم تفيض على سائر الخلق حتّى الملائكة والأنبياء » . « 1 »
وحين قال ( المجلسي ) معترضاً على الفلاسفة : « ولمّا سلكوا سبيل الرياضات والتفكّرات ، مستبدّين بآرائهم على غير قانون الشريعة المقدّسة ، ظهرت عليهم حقيقة هذا الأمر ملبّساً مشتبها ، فأخطأوا في ذلك وأثبتوا عقولًا وتكلّموا في ذلك فضولا . . . » « 2 » ، هنا علّق الطباطبائي على هذا الكلام بقوله : « بل لأنّهم تحقّقوا :
أوّلًا : إنّ الظواهر الدينية تتوقّف في حجّيتها على البرهان الذي يقيمه العقل ، والعقل في ركونه واطمئنانه إلى المقدّمات البرهانية لا يفرّق بين مقدّمة ومقدّمة . فإذا قام برهان على شئ ، اضطرّ العقل إلى قبوله .
وثانياً : إنّ الظواهر الدينية متوقّفة على ظهور اللفظ ، وهو دليل ظنّى ، والظنّ لا يقاوم العلم الحاصل بالبرهان لو قام على شئ . وأمّا الأخذ بالبراهين في أُصول الدين ثمّ عزل العقل في ما ورد فيه آحاد الأخبار من المعارف العقلية ، فليس إلّا من قبيل إبطال المقدّمة بالنتيجة التي تستنتج منها ، وهو صريح التناقض والله الهادي فإنّ هذه الظواهر الدينية لو أبطلتْ حكم العقل لأبطلت أوّلًا حكم نفسها المستند في حجّيته إلى حكم العقل .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ج 1 ص 101 .
( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ص 103 .