أمّا الجهة الأولى وهى جواز العلم بتأويله لغيره تعالى ، فإنّه تعالى قال :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
*
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
*
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( الواقعة : 79 77 ) ولا شبهة في ظهور الآيات في أنّ المطهّرين من عباد الله يمسّون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغيّر ، ومن التغيّر تصرّف الأذهان بالورود عليه والصدور منه ، وليس هذا المسّ إلّا نيل الفهم والعلم ، ومن المعلوم أيضاً أنّ الكتاب المكنون هذا هو أُمّ الكتاب المدلول عليه بقوله تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
( الرعد : 39 ) وهو المذكور في قوله :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
( الزخرف : 4 ) .
وهؤلاء قومٌ نزلت الطهارة في قلوبهم ، وليس ينزلها إلّا سبحانه ، فإنّه تعالى لم يذكرها إلّا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
( الأحزاب : 33 ) ، وقوله تعالى :
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
( المائدة : 6 ) ، وما في القرآن شئ من الطهارة المعنوية إلّا منسوبة إلى الله أو بإذنه ، وليست الطهارة إلّا زوال الرجس من القلب ، وليس القلب من الإنسان إلّا ما يدرك به ويريد به ، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين ، ويرجع إلى إثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقّة من غير ميلان إلى الشكّ ونوسان بين الحقّ والباطل ، وثباته على لوازم ما علمه من الحقّ من غير تمايل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم ، وهذا هو الرسوخ في العلم ، فإنّ الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلّا بأنّهم مهديّون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة ، فقد ظهر أنّ هؤلاء المطهّرين راسخون في العلم .