والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه حكيماً أنّه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزَّإٍ إلى سور وآيات وجمل وكلمات
كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربيّاً ، كما استفدناه من قوله سبحانه : . . .
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
( هود : 1 ) .
وهذان النعتان أعنى كونه عليّاً حكيماً هما الموجبان لكون ( القرآن في مرتبته العالية ) وراء العقول البشرية ، فإنّ العقل في تفكّره لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أوّلًا ، وكان مؤلّفاً من مقدّمات تصديقيّة يترتّب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ ( كما هو الحال في تأويل القرآن ) وكان غير متجزّئٍ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله .
خلاصة معنى الآيتين أنّ الكتاب عندنا في اللّوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين ( علىٌّ حكيم ) وإنّما أنزلناه بجعله مقروّاً عربياً رجاء أن يعقله الناس .
فإن قيل : ظاهر قوله : . . . لعلكم تعقلون إمكان تعقّل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقّلًا تامّاً ، فهذا الذي نقرؤه ونعقله إمّا أن يكون مطابقاً لما في أُمّ الكتاب كلّ المطابقة أو لا ؟ والثاني باطل قطعاً ؛ كيف وهو تعالى يقول :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ
و
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
*
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
و
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
*
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
( الواقعة : 78 77 ) ، فتعيّن الأوّل . ومع مطابقته لأُمّ الكتاب كلّ المطابقة ، ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولًا لنا ، وما في أُمّ الكتاب عند الله غير معقول لنا ؟ » « 1 » .
قلنا : إنّ هذا الكتاب الذي جعل بلسان عربىّ مبين متّحد مع ما في اللّوح
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ص 84 .