تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول التفسير والتأويل — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
ذاته وأحواله الداخلية ، وليس فيها مداخلة جهة أو مكان أو زمان أو حالة جسمانية أُخرى . والله سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيات ويضمّ إليها ضمائم فيدلّنا ذلك على أنّ المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الذي نسمّيه فيما عندنا رؤية كما في قوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
*
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
( فصّلت : 53 - 54 ) حيث أثبت أوّلًا أنّه لكلّ شئ حاضر أو شاهد لا يختصّ بجهة دون جهة وبمكان دون مكان وبشىء دون شئ ، بل يشهد على كلّ شئ محيط بكلّ شئ ، فلو وجده شئ لوجده على ظاهر كلّ شئ وباطنه وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه . وعلى هذه السمة لقاؤه كما دلّ عليه قوله :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
( العنكبوت : 5 ) وقوله :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( الكهف : 110 ) فإنّه ليس اللقاء الحسّى الذي لا يتأتّى إلّا بمواجهة جسمانية وتعيّن جهة ومكان وزمان . وبهذا يتّضح ما في قوله :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( النجم : 11 ) من نسبة الرؤية إلى الفؤاد الذي لا شبهة في كون المراد به هو النفس الإنسانية الشاعرة ، دون اللحم الصنوبري الكائن على يسار الصدر . ويتّضح أيضاً قوله تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
*
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
( المطفّفين : 14 - 15 ) حيث دلّ على أنّ الذي يحجبهم عنه تعالى رين المعاصي والذنوب التي اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي أنفسهم وبين ربّهم ، فحجبهم عن تشريف المشاهدة ، ولو رأوه لرأوه بقلوبهم أي أنفسهم لا بأبصارهم وأحداقهم .