بصلاة الليل ، وإن كنت تريد الآخرة فعليك بصلاة الليل أيضاً !
تركتْ هذه الكلمات أثراً بليغاً في نفسي ، حتى أنى لازمت المرحوم القاضي وكنت أحضر عنده ليلًا
ونهاراً طوال مدّة السنوات الخمس الأخرى التي أمضيتها في النجف ، إلى أن قفلت عائداً إلى إيران . وفى أثناء ذلك لم أكن أتوانى عن انتهال فيضه حتى إذا ما عدتُ إلى الوطن استمرّت العلاقة بيننا ودامت حتّى وفاته ، وكان المرحوم القاضي يعطى الأوامر ويتقدّم بالتعليمات وفقاً لعلاقة الأستاذ بتلميذه ، ولم تنقطع المراسلات فيما بيننا .
وكان العلّامة الطباطبائي يقول : كلّ ما لدىّ هو من المرحوم القاضي .
لقد كان المرحوم القاضي من المجتهدين الكبار ، بيد أنه كان ملتزماً بإعطاء الدرس في بيته ، فقد كان يدرّس الفقه ، ويقيم الصلاة جماعة بتلامذته في منزله ، كانت صلاته طويلة ، تظلّها الطمأنينة الوافرة ، وكان بعد أن يُتمّ صلاة المغرب التي يقيمها بعد استتار الشمس تحت الأفق ، ينشغل بتعقيبات المغرب التي كانت تطول بعض الشئ .
في الليالي العشر الأولى والثانية من شهر رمضان ، كانت تعقد مجالس التعليم والذكر ، حيث كان الطلّاب يذهبون عند السيّد القاضي بعد انقضاء حوالي أربع ساعات من الليل ، ويستمرّ
المجلس عامراً ساعتين .
أمّا في العشر الثالثة فقد كان المجلس يعطَّل ، ولا يُرى المرحوم القاضي حتى آخر شهر رمضان ولا يُعرف له خبر ، وطالما جدّ التلامذة في البحث عنه في النجف وفى مسجد الكوفة ومسجد السهلة أو في كربلاء ، بيد أنّهم لم ينجحوا أبداً في العثور على أثر له طوال هذه الأيام ، وكان ذلك من دأب المرحوم القاضي ونهجه الذي مضى عليه في جميع السنين حتى وفاته » « 1 » .
هامش
( 1 ) مهر تابان ( أي الشمس الطالعة ) ، تأليف ، السيّد محمّد حسين الطهراني ، ترجمه إلى العربية : جواد على كسّار ، وهو الكتاب الرابع المطبوع مع رسالة التشيّع في العالم المعاصر ، تأليف السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، مؤسّسة أُمّ القرى للتحقيق والنشر ، الطبعة الأُولى ، 1418 ه : ص 310 .