وإنّما أراد الله بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه وصراطه وأن يعبدوه ، وينتهوا في قوله إلى طاعة القوّام بكتابه والناطقين عن أمره ، وأن يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم ، ثمّ قال :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
( النساء : 83 ) فأمّا عن غيرهم فليس يُعلم ذلك أبداً ولا يوجد .
وقد علمت أنّه لا يستقيم أن يكون الخلق كلّهم ولاة الأمر ، لأنّهم لا يجدون من يأتمرون عليه ومن يبلّغونه أمر الله ونهيه ، فجعل الله الولاة خواصّ ليقتدى بهم ، فافهم ذلك إن شاء الله .
وإيّاكإيّاك وتلاوةالقرآن برأيك فإنّالناس غير مشتركين فيعلمه كاشتراكهم فيما سواه من الأُمور ، ولا قادرين على تأويله ، إلّا مِن حدّه وبابه الذي جعله الله له ، فافهم إن شاء الله ، واطلب الأمر من مكانه تجده إن شاء الله » « 1 » .
وأُخرى بدعوى أنّ هذا الإجمال وعدم تيسّر الفهم للإنسان الاعتيادى طبيعي ناشئ من عظمة الكتاب وعظمة صاحبه ودقّة مضامينه ، فإنّا نجد أنّ كتاب عالم اعتيادىّ كإقليدس مثلًا لا يفهمه الناس العاديّون ، لكونه مشتملًا على مطالب دقيقة تفوق مستوى أذهان العوام ، فما ظنّك بكتاب الله سبحانه ؟ فمقتضى التناسب أن يتعذّر فهمه على غير الأوصياء عليهم السلام .
وكلا هذين البيانين عليل : أمّا الأوّل فواضح ؛ إذ لو كان القرآن مجملًا في ذاته لبطل كونه معجزة خالدة دالّة على صدق النبىّ صلى الله عليه وآله ، ولما صحّ مطالبة الناس
هامش
( 1 ) تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : ج 27 ص 190 ، كتاب القضاء ، الباب 13 من أبواب صفات القاضي ، الحديث : 38 .