والاختلاف الآخر الذي يراه المحقّق الطوسي ، هو أنّه لا يرى في سياسته الفلسفيّة ضرورة وحدة الحاكم ، بل يرى إمكان أن يترأس بعض الأفاضل ، أو أهل العامّة في إدارة شؤون المدينة الفاضلة ، خلافا للزعامة الدينيّة ؛ حيث يعتقد بضرورة وحدة الإمام ، كي يقضي على الدواعي المتعدّدة الموجبة لاختلاف الرأي ، ووجود إشكال في إدارة المجتمع . ويجيب المحقّق الطوسي على هذا النمط من التفكير بقوله :
« ينبغي العلم بأنّ الملوك والرؤساء بمثابة السيل الذي يسيل من أعلى الجبل ، وكلّ من يريد أن يغيّر وجهة سيره إلى جهة أخرى دفعة واحدة ، يعرض نفسه للهلاك . بينما إذا قام أوّل الأمر بالمساعدة والمداراة والتلطّف ، وعمل على تعبيد المسير أمامه ورفع الموانع ، أمكنه أن ينقل سيره إلى الجهة الأخرى . وهكذا بالنسبة إلى صرف رأي الرئيس عن الأمر المتضمّن للفساد ، ينبغي أن يحصل عبر طريق اللطف والتدبير ، فلا يعترض على أمره ونهيه ، بل عليه أن يبيّن وجه المصلحة الموجودة في خلاف رأيه ، وينبّهه على شناعة هذا الفعل وعاقبته السيّئة ، ويتدرّج معه بالبيان في أوقات الخلوة ، ويعرض عليه الرأي الصحيح ، مستخدما أسلوب الأمثال وقصص السالفين ولطائف الحيل » . « 1 »
2 - الإمامة في كلام الخواجة نصير الدين الطوسي
من الخصوصيّات التي يتمتّع بها المحقّق الطوسي ، هي أنّه كان حكيما متكلّما ، ولديه أسلوب خاصّ به في المزج بين الفلسفة والكلام . ولعلّ من أهمّ المباحث التي شهرت المحقّق الطوسي ، هو تشييده البناء الفلسفي للكلام الشيعي ؛ حيث كان يعتمد
هامش
( 1 ) - . نصير الدين الطوسي ، أخلاق ناصري ، ص 210 .