ما في الوعاء بشد الوكاء ، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك ،
ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس ، والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور ، والمرء
أحفظ لسره ، ورب ساع فيما يضره ، من أكثر أهجر ، ومن تفكر أبصر ، قارب أهل الخير
تكن منهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم ، بئس الطعام الحرام ، وظلم الضعيف أفحش
الظلم . إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا . وربما كان الدواء داء والداء دواء ،
وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح .
وإياك والإتكال على المنى ، فإنها بضائع النوكى ( 1 ) . والعقل حفظ التجارب .
وخير ما جربت ما وعضك . بادر الفرصة قبل أن تكون غصة . ليس كل طالب يصيب ،
ولا كل غائب يؤوب ، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد ، ولكل أمر عاقبة ،
سوف يأتيك ما قدر لك ، التاجر مخاطر ، ورب يسير أنمى من كثير ، لا خير في معين مهين ، ولا في
صديق ظنين . ساهل الدهر ما ذل لك قعوده ( 2 ) ، ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه ، وإياك
أن تجمح بك مطية اللجاج .
احمل نفسك من أخيك عند صرمه على ( 3 ) الصلة ، وعند صدوده على اللطف
والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدنو ، وعند شدته على اللين ، وعند
جرمه على العذر ، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك ، وإياك أن تضع ذلك في غير
موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله . لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ،
وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة ، وتجرع الغيظ ، فإني لم أر جرعة أحلى
منها عاقبة ولا ألذ مغبة ، ولن لمن غالظك ، فإنه يوشك أن يلين لك ، وخذ على عدوك
بالفضل فإنه أحلى الظفرين ، وإن أردت قطيعة أخيك ، فاستبق له من نفسك بقية يرجع
إليها إن بدا له ذلك يوما ما ، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ، ولا تضيعن حق أخيك
اتكالا على ما بينك وبينه ، فإنه ليس لك بأخ من ( 4 ) أضعت حقه ، ولا يكن أهلك أشقى
الخلق بك ، ولا ترغبن فيمن زهد فيك ، ولا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على
صلته ، ولا يكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا يكبرن عليك ظلم من
هامش
1 - النوكى : جمع أنوك ، وهو الأحمق " الصحاح - نوك - 4 : 1612 " .
2 - القعود من الإبل : البكر حين يمكن ظهره من الركوب . " الصحاح - قعد - 2 : 525 " .
3 - في الأصل : عن ، وما أثبتناه من نهج البلاغة .
4 - في الأصل زيادة : لك .