محمّد ، أبو الحسن ، قال : أنا محمّد بن جعفر « 1 » [ قال : ]
مات أخ لبعض ملوك اليمن ، النّعمان أو غيره ، فعزّاه بعض العرب ، فقال :
اعلم أنّ الخلق للخالق ، والشّكر [ 106 أ ] للمنعم ، والتّسليم للقادر ، ولا بدّ ممّا هو كائن ، وقد جاء ما لا يردّ ، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات ؛ وقد أقام معك ما سيذهب عنك أو ستتركه ، فما الجزع ممّا لا بدّ منه ؟
وما الطّمع فيما لا يرجى ؟ وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنقل عنه ؟ وقد مضت لنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد أصله ؟ فأفضل الأشياء عند المصائب الصّبر ؛ وإنّما أهل هذه الدّنيا سفر لا يحلّون الركاب إلّا في غيرها ؛ فما أحسن الشّكر عند النّعم ، والتّسليم عند الغير .
واعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع ؛ فإن رأيت الجزع ردّ أحدا منهم إلى ثقة من درك ، فما أولاك به .
واعلم أنّ أعظم من المصيبة سوء الخلف منها ؛ فأفق ، والمرجع قريب .
واعلم أنّما ابتلاك المنعم ، وأخذ منك المعطي ، وما ترك أكثر ، فإن أنسيت الصّبر فلا تغفل الشّكر ، وكلّا فلا تدع .
واحذر من الغفلة استلاب النّعم ، وطول النّدامة ؛ فما أصغر المصيبة اليوم مع عظيم المصيبة غدا ، واستقبل المصيبة بالحسنة تستخلف بها نعما .
هامش
والموعظة باختصار في المنتظم 7 / 141 لوهب بن منبه . وسيأتي تخريج النصف الثاني في موضعه .
( 1 ) محمّد بن جعفر - وعند المبرّد : جعفر بن محمّد ! - : وأراه محمّد بن جعفر الهذلي ، أبو عبد اللّه البصري ، المعروف بغندر ، ثقة ؛ توفي سنة 193 ه . ( تهذيب الكمال 25 / 5 ) .