ويخاطب نفسه ؛ يعجبه من اللّباس ما قصر ، ومن الطّعام ما جشب .
كان - واللّه - كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا « 2 » إذا أتيناه ، ويلبّينا إذا دعوناه ؛ ونحن - واللّه - مع تقريبه لنا ، وقربه منّا ، لا نكلّمه هيبة ، ولا نبتدئه تعظمة ؛ فإن تبسّم فعن مثل اللّؤلؤ المنظوم .
يعظّم أهل الدّين ، ويحبّ المساكين ؛ لا يطمع القويّ في باطله ، ولا يأيس الضّعيف من عدله .
وأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى اللّيل سرباله ، وقد غارت نجومه ، وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السّليم ، ويبكي بكاء الحزين ؛ فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا ، إيّاي أردت ، أم بي تشوّقت ؛ هيهات هيهات ، غرّي غيري ، لا حان حينك ، قد بتتّك ثلاثا لا رجعة لي فيك ؛ فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير ؛ آه من قلّة الزّاد ، وبعد السّفر ، ووحشة الطّريق .
قال : فبكى معاوية ، وبكى القوم ، ثم قال : رحم اللّه أبا حسن ؛ كان - واللّه - كذلك ؛ وكيف حزنك عليه ؟ قال : حزن - واللّه - من ذبح واحدها في حجرها ، فلا ترقأ عبرتها ، ولا يسكن حزنها .
« 106 » حدّثنا الحسين ، نا عبد اللّه ، نا يوسف بن موسى ، نا جرير ، عن مغيرة ، قال :
لمّا جيء معاوية بنعي عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، وهو
هامش
( 2 ) في الحلية : ويدنينا .
( 106 ) التخريج : تاريخ دمشق ( ترجمة عليّ ) 3 / 408 نقلا والبداية والنهاية 11 / 129 .