قلت : كان شاعرا منطبقا ، سهل الألفاظ ، عذب الكلام ، منسجم التركيب ، ولم يكن غواصا على المعاني ، ولم يورد له ابن خلكان ، رحمه اللّه تعالى ، على إطنابه في وصفه شيئا من قصائده الطنانة ، وكان شيخنا الإمام القاضي شهاب الدين محمود ، رحمه اللّه تعالى ، لا يفارق ديوانه ، ويعجبه طريقه ، ويقتفى أسلوبه ، وكان ابن التعاويذى كاتبا بديوان المقاطعات . وعمى آخر عمره سنة تسع وسبعين ، وله في عماه أشعار كثيرة أوردت منها جملة في صدر هذا الكتاب ، وجمع ديوانه بنفسه ، ورتبه أربعة فصول ، ثم ألحقه بعد ذلك زيادات ، وصنف كتابا سماه « الحجبة والحجاب » يدخل في مقدار خمسة عشر كراسا ، وهو قليل الوجود .
وقال العماد الكاتب : إنه كان بالعراق صاحبه ، فلما انتقل العماد إلى الشام وخدم نور الدين وصلاح الدين كتب إليه يطلب منه فروة برسالة ذكرها ابن خلكان في « وفيات الأعيان » . وقد تقدمت أشعاره في مصيبته بعينيه في ديباجة الكتاب . ومن شعره :
سقاك سار من الوسمى هتان * ولا وقت للغوادى فيك أجفان
يا دار لهوى وأطرابى ومعهد أت * رابى وللهو أوطار وأوطان
أعائد لي ماض من جديد هوى * أبليته وشباب فيك فينان
إذ الرقيب لنا عين مساعدة * والكاشحون لنا في الحب أعوان
وإذ جميلة تولينى الجميل وعن * د الغانيات وراء الحسن إحسان
ولي إلى البان من رمل الحمى طرب * فاليوم لا الرمل يصبينى ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطر * إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا
كانوا معاني المغانى والمنازل أم * وات إذا لم يكن فيهن سكان
للّه كم قمرت لبى بجودك أق * مار وكم غازلتنى فيك غزلان
وليلة بات يجلو الحاح من يده * فيها أغن خفيف الروح جذلان
خال من الهم في خلخاله حرج * فقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكى الجوى بارد من ريقه شيم * ويوقظ الطرف طرف منه وسنان
إن يمس ريان من ماء الشباب فلى * قلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركة * من أجلها قيل للأغماد أجفان
فكيف أصحو غراما أو أفيق جوى * وقده ثمل الأعطاف نشوان
أفديه من غادر للعهد غادرنى * صدوده ودموعي فيه غدران