وكان رحمه اللّه تعالى محققا للمسائل ، عارفا بالخلاف ، صحيح النقل لمذهبه ومذهب غيره ، تام الأنس ، حسن العشرة والخلق ، ينبسط مع جلسائه بحسب أحوالهم ، وكان لا يكاد يغلب في البحث والمجادلة والمعارضة .
حكى الشيخ تقى الدين أبو الوليد محمد بن إبراهيم بن عمر الخالدي الحنبلي ، وكان خصيصا بالشيخ يقرأ له الدروس والفتاوى ، ويكتب عنه ما يحتاج إليه ويطالع له ، وكان ختن الشيخ على ابنته ، قال : حضرنا في خدمة الشيخ يوما في ديوان المظالم ، وكان الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى صاحب ديوان الإنشاء بالعراق حاضرا ، فتكلم الجماعة وتكلم الشيخ ، فاستحسن الحاضرون كلام الشيخ ، فقال له الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى : من أين الشيخ ؟ فقال : من البصرة ، فقال : ما المذهب ؟ قال :
حنبلي ، قال : عجيب ، بصرى حنبلي ؟ ! فقال له الشيخ على الفور : هنا ما هو أعجب من هذا ، فقال له : ما هو ؟ قال : كردى رافضي ، فأفحم الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى حتى لم يحز جوابا ، وكان أصله كرديا وكان متشيعا .
[ 131 ] - عبد الرحمن بن يحيى الأسدي الكفيف ، أبو القاسم ابن الخواص المغربي :
لم يكن أبوه خواصا ، ولكن سكن بالقيروان في سوق الخوص . قال ابن رشيق في « الأنموذج » : أبو القاسم هذا شاعر مشهور ، حسن الطريقة ، منقاد الطبع ، لا يتكلف برئ من تعقيد أصحابه النحويين وبرد أشعارهم ، مفنن في علم القرآن من مشكل وغريب وأحكام . ومن شعره :
دق لما يلقى من اللمس * وفات درك الوهم والحس
كأنه مما به من ضني * وهم جرى في خاطر النفس
ومنه :
أراك عيني كحيل الطرف ذي حور * ظبي خلا أنه ظبي من البشر
أغنى من الغصن قدا بالقوام كما * أغنى بغرته عن طلعة القمر
يفتر عن أشنب عذب مراشفه * كالمسك نكهته في ساعة السحر
مستملح الدل حلو الشكل ما نظرت * إليه عين فلم تفتن من النظر
ما كان أحسن إذ تمت محاسنه * لو تم لي منه إشفاق على ضررى
هامش
( 131 ) - عبد الرحمن بن يحيى الأسدي . انظر : الوافي بالوفيات ( حرف العين - ابن الخواص الكفيف - عبد الرحمن بن يحيى الأسدي ) .