عند العرب إلا إذا تابعنا المراحل التي تطورت معها القبيلة وذلك في عصري الجاهلية والاسلام لأن النسب والقبيلة توأمان متلازمان أحدهما يستمد وجوده من الآخر ، وأي تطور يطرأ على طرف يتأثر به الطرف الآخر مباشرة .
فالقبيلة هي عماد الحياة في البادية ، أركانها : عصبية تأخذ بالحق لصالح أفرادها وتدافع عنهم ، أعراف وتقاليد يجب أن تطاع من قبل الجميع ، نسب يوحد ويجمع شمل القبيلة وبه يكون الفخر والقوة . فالأسرة نواة القبيلة ومن تجمع هذه الأسر التي تربط بينها أواصر الرحم وتلتقي أنسابها عند الأب المشترك تتكون القبيلة ، فالرابطة القوية التي تربط بين أبناء القبيلة الواحدة هي رابطة الدم الواحد ، لذلك نجد أهل الأنساب يرجعون نسب كل قبيلة إلى جد أعلى ثم يرجعون أنساب أجداد القبائل إلى جدود أقدم وهكذا « 1 » . . .
وهذه النظرة الخاصة بتعريف القبيلة هي التي حملت أهل الأنساب على إطلاق لفظة ( القبيلة ) على الحضر أيضا مع أنهم أقاموا واستقروا ، فقريش عندهم قبيلة ، وثقيف قبيلة ، والأوس والخزرج قبيلة . . وذلك لأن هؤلاء وإن تحضروا واستقروا فإنهم ظلوا متمسكين بالانتساب إلى جد أعلى والاعتقاد برابطة الدم الواحد الذي يجمعهم . وكانت القبيلة في العصر الجاهلي وحدة سياسية مستقلة قائمة بذاتها ، كما كانت وحدة اجتماعية لها نظمها وأعرافها وتقاليدها ، فكل قبيلة كانت أشبه بدولة مصغرة حتى أنها كانت مستقلة دينيا بحيث كان لكل قبيلة صنمها الديني تقدسه وتقدم له القرابين ، فلم يكن للعرب آلهة مشتركة تجمع على تقديسها قبائل العرب كافة .
ولكن هذا لا يعني أن كل قبيلة كانت تعيش في عزلة عن أخواتها سياسيا واجتماعيا وإنما كانت هناك علاقات سياسية تربط في ما بينها تتمثل بالأحلاف والمعاهدات والجوار ، وعلاقات اجتماعية تتمثل بالمصاهرات التي شغلت دورا هاما في ربط القبائل بعضها ببعض ، وكان هناك علاقات تجارية أيضا ، حيث يتم تبادل المنتجات بين القبائل في أسواق ومواسم معروفة كسوق عكاظ مثلا الذي ذاع صيته ، ولم تكن هذه الأسواق مراكز تجارية فقط ، بل مراكز ثقافية إعلامية أيضا حيث يتم فيها تبادل الأخبار والأفكار بل والتفاخر واستعراض كل قبيلة قوتها وما عندها من ذخيرة معنوية ومادية . وكان الذي يقوم بهذا الدور الخطباء والشعراء فكل واحد منهم بمثابة مندوب إعلامي ، يقوم بالدعاية لصالح قبيلته .
ونتيجة اتصال القبائل بعضها ببعض عبر الطرق التي ذكرت سابقا وعبر الغزو والحرب
هامش
( 1 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، جواد علي 4 / 313 .