تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة المجالس ومنتخب النفائس — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
السعة إلى الضيق ويثقل على كل خل وصديق وتجعله بعد الشجاعة ذليلا وبعد الصحة عليلا وتثبطه عن العبادة وتحطه عن درجة السيادة ، وما أحسن ما قيل في ذمها :
ما للحشيشة فضل عند آكلها * لكنه غير مهدي إلى رشده صفراء في وجهه خضراء في فمه * حمراء في عينه سوداء في كبده
( حكاية ) قال ذو النون المصري : كنت مسافرا فرأيت ماء متغيرا يخرج من كهف فدخلت إليه فوجدت إبليس يبكي فقلت ما هذا البكاء ؟ فقال وهل يحق البكاء إلا لي كنت من المقربين عند اللّه والآن صرت من المطرودين فقلت له كيف خالفت أمره ؟ قال : لم يكن في أمري عناية ثم قرأ هذه الآية :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] ومن شعره لعنه اللّه :
ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبدا ليست بذات قروح أباها علي الناس أن يشترونها * ومن يشتري ذا علة بصحيح
( حكاية ) رأى يحيى بن زكريا عليهما السلام إبليس باكيا في بعض الأودية فسأله فقال : كيف حال من عبد ربه زمنا طويلا ثم ذهبت عبادته مجانا فقال ارجع عن إضلالك للخلق فقال : يا يحيى إن كنت أضللتهم فمن أضلني قال : فارجع إلى ربك قال : فكن شفيعا لي عنده فبكى يحيى في محرابه وقال : يا إلهي قد علمت حديث المطرود وقد وقف على باب الصلح فهل له إليه طريق ؟ فنزل جبريل وقال : إن اللّه يقرئك السلام ويقول لك اشتغل بنفسك وإلا فعلت بك ما فعلت به . ورآه أيضا في بعض الأيام يبكي فسأله عن ذلك فقال : على مائة ألف عام وقفت فيها على الباب فخرج الجواب ليس لك طريق وقد خطأت التوفير فقال يحيى : يا رب هلا صالحته ؟ فجاءه جبريل وقال إنه يبكي نفاقا لا رفاقا له يسجد لقبر آدم فأخبره بذلك فضحك وقال : أنا ما سجدت له حيا فكيف أسجد له ميتا ؟ ( مسألة ) كفر إبليس من وجوه أربعة : الأولى أنه نسب الحق سبحانه وتعالى إلى الجور بقوله :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] الثاني : أنه استحقر نبيا ومن استحقر نبيا فقد كفر . الثالث : أنه خالف الإجماع ومن خالف الإجماع فقد كفر . الرابع : أنه قاس مع وجود النص وهو الأمر بالسجود والقياس مع وجود النص كفر قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أول من قاس وأخطأ إبليس لعنه اللّه حيث قال : إن النار خير من الطين ، فإن الطين خير من النار من وجوه أربعة : الأول أن جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والصبر والحياء والتواضع وذلك هو الداعي لآدم على التوبة ، ومن جوهر النار الحدة والخفة والارتفاع والاضطراب وذلك هو الداعي لإبليس على ترك السجود والتكبر وعدم التوبة . الثاني : أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة المسك وما في الجنة نار . الثالث : النار سبب العذاب وليس التراب سببا للعذاب . الرابع : الطين متسفن عن النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب . قال القرطبي : ويحتمل وجها آخر وهو أن التراب مسجد وطهور والنار تخويف وعذاب .
نزهة المجالس ومنتخب النفائس — صفحة 91 | عبد الوارث محمد على / عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي