قال كأنك تقولين : إياك اعني واسمعي يا جارة ، أيها المدينة المسكينة ، عليك بالسكينة إلي تعرضين ، أم لي تتعرضين ، أم علي تستظهرين ، أم مع وجودي تفتخرين ، تاللّه ما سال إليك إلا ما فاض منى ولا وصل إليك إلا ما فصل عنى ، أما علمت أن بنيتي أفضل البنيات ، أما سمعت قوله تعالى
( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ )
الك مثل الكعبة ذات الستور ، أو البيت المقابل بالبيت المعمور ، الذي هو عين الوجود ، ومطلع السعود ، أفي صفاتك كالصفا أم في نعيمك كالتنعيم ، أم هل قام لك مقام كمقام إبراهيم ، وهل حدا حادي مياهك مثل الصفا وزمزم ، أم تحققت كيمياء السعادة ، وظفرت بالحجر المكرم الذي هو كالمقلة السوداء في البيت ، أو كمشكاة فيها من الجنة زيت ، فارفقى بنفسك ، وإياك ان تترفعي على أبناء جنسك ، فان كانت الصلاة في مسجدك بألف ، فهي في مسجدي ثمائة الف ، وحول بيتي من الملائكة المصلين والطائفين كم من صف ، وان فخرت بحلول الشفيع ، ففيّ كان مسقط رأسه الرفيع صلى اللّه عليه واله :
بلاد بها نيطت على تمائمي * وأول ارض مس جلدي ترابها
فاقلى من هذا الفخر فربما ذم الفخور ، والمتشبع بما لم يؤت كلابس ثوبي زور فلما سمعت المدينة هذه المقالة ، اشتعلت ولا اشتعال الذبالة ، وبرزت بين أنصارها واعوانها كالقمر وسط الهالة ، وقالت يا للّه العجب ، من دفع الحق وقد وجب ، قول ولا معنى ، اسمع جعجعة ولا أرى طحنا ما هذا الفعل الذي اتيت ، لقد وقعت فيما أبيت ، وارتكبت ما عنه نهيت :
لا تنه عن خلق وتأتى مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
ويلك ارفعي ذيل اعجابك ، وخفى فقد آذتك يعض أثوابك ، هيهات اين النجم من البدر والقطر من البحر ، ولكن اليوم خمر ، وغدا امر ، فإن كان فيك مقام الخليل ، فعندي المقام الجليل وان كانت كعبتك بثنية الحسن فحالى كله جميل ، وان فخرت بالبيت المقابل بالبيت المعمور ، فكل بيت من بيوتي بنور الحبيب معمور ،