وصاحب مصر يومئذ الفائز بن الظافر ووزيره الصالح بن رزيك فكان عنده في أكرم محل وأعز جانب واتحاد عظيم على ما بينهما من الاختلاف في العقيدة ، ثم رحل إلى اليمن ، ثم عاد إلى مصر وأقام بها إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السلطان صلاح الدين ، ورثى أهل القصر بقصيدته اللامية التي أولها :
رميت يا دهر كف المجد بالشلل * ورعته بعد حسن الحلى بالعطل
إلى قوله منها :
قدمت مصرا فأولتني خلائقها * من المكارم ما اربى على الامل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن * تمامها انها جاءت ولم اسل
يا عاذلى في هوى أبناء فاطمة * لك الملامة ان قصرت في عذلي
باللّه زر ساحة القصرين وابك معي * عليهما لا على صفين والجمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة * بنسل آل أمير المؤمنين علي
هل كان في الامر شيء غير قسمة ما * ملكتم بين حكم السبي والنقل
وهي طويلة في غاية الحسن ومن أراد الاطلاع عليها فهي مثبتة في الجزء السابع من التذكرة للصفدي .
فلما بلغت السلطان هذه المرثية تغير عليه ، وقيل : انه استفتى عليه في قوله من قصيدته الميمية :
وكان مبدأ هذا الدين من رجل * سعى فأصبح يدعى سيد الأمم
وهذا الكلام هو رأى الفلاسفة في النبوة ، وانها تحصل بالتكسب ، وهي احدى المسائل التي كفروا بها ، والصحيح أن اللّه يجتبي من رسله من يشاء ، ولم يكن أحد من الأنبياء عليهم السلام عنده شعور بأنه يكون فيما بعد نبيا ، ولو كان ذلك ما انكر النبي صلى اللّه عليه واله ورود الوحي عليه ، ولا حم وجاء إلى أهله وقال زملوني .
ثم قال الصفدي : وانا أرى ان هذا مفتعل على الفقيه عمارة عند السلطان ونظمه بعض أعدائه علي لسانه ودسه في تلك القصيدة وأغروا به عند السلطان