المفاخرة بين الفقر والغنى كان رحمه اللّه تعالى بمكة المشرفة كالبيت العتيق ، يقصده الطلاب من كل فج عميق ، وما زال مقيما بها في أسمى ذروة الشرف والفضل والجاه ، إلى أن دعاه إلى قربه ملك الملوك فأجابه ولباه ، وكانت وفاته يوم الاثنين ثاني ذي الحجة الحرام ، عام تسع وثلاثين بعد الألف والمائة من هجرة خير الأنام ، رحمه الرحمن الرحيم وأسكنه فراديس النعيم ، وله ديوان شعر عجيب يهش لسماعه الأديب ، فمن نظمه الرقيق المسبوك وكلامه الذي هو كلام الملوك قوله متغزلا :
لولا محياك الجميل المصون * مابت تجري من عيوني عيون
ولا عرفت السقم لولا الهوى * ولا تباريح الأسى والشجون
كم وقفة لي في طلول الحمى * روى ثراها صوب دمعي الهتون
يا ربع خبر لا جفاك الحيا * ولهان لا يعرف غمض الجفون
هل كنت مغنى للغزال الذي * اليه اصبو والتصابى فنون
وأشرقت فيك شموس الضحى * ورنحت فوق رباها الغصون
من كل غيداء إذا أسفرت * جلا محياها سجوف الدجون
صوارم الالحاظ ان جردت * أثارت الحرب بكسر الجفون
وعامل القامة مهما انثنى * نحوك لا تستطيع صرف المنون
والمقلة السوداء مهما رنت * علمت الصب فنون الجنون
منيعة الحجب قنيل اللقا * منها بعيد عن مرامي الظنون
عزيزة تحمى حمى خدرها * أسود غيل فوق قب البطون
حسبك لوما يا عذولي اتئد * انى لعهدى في الهوى لا أخون
لا تطلب السلوان من وامق * فذاك امر ابدا لا يكون
دع السكارى بكؤس الهوى * يا صاح في سكرتهم يعمهون
يا ويح عذالي اما شاهدوا * طلعة من اهواه بل هم عمون
فحسبهم بالنون من حاجب * عما يقولون وما يسطرون