الحديد إلّا الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبر أخبرناه ، إنّ الحقّ كان يطلب ضالّته ، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأن قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق باطله ، فلا يعجلنّ أحد فيقول : كيف وأنّى . ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا .
ألا إنّ خضاب النساء الحنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، والصبر خير في الأمور عواقبا ، إلى الحرب قدما غير ناكصين ، فهذا يوم له ما بعده .
ثم قال معاوية : واللّه يا زرقاء لقد شركت عليّا في كلّ دم سفكه ، فقالت :
أحسن اللّه بشارتك يا أمير المؤمنين ، وأدام سلامتك ، مثلك من بشّر بخير وسرّ جليسه . قال لها : وقد سرك ذاك ؟ قالت : نعم واللّه ؛ لقد سرّني قولك فأنّى بتصديق الفعل ؟ فقال معاوية : واللّه لوفاؤكم له بعد موته أحبّ إليّ من حبّكم له في حياته .
معاوية وأم الخير بنت الحريش
وأوفد أمّ الخير بنت الحريش البارقيّة فقال لها : كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن واللّه روّيته قبل ولا دوّنته بعد . وإنما كانت كلمات نفثهنّ لساني حين الصّدمة . فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت . قال :
لا أشاء ذلك . ثم التفت إلى أصحابه فقال : أيكم حفظ كلام أمّ الخير ؟ قال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد . قال : هاته . قال :
نعم كأنّي بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي ، كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك « 1 » وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضّفيرة ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته ، تقول :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( 1 ) [ الحج :
1 ] . إنّ اللّه قد أوضح الحقّ ، وأبان الدليل ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم ؛ فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمّة ، فإلى أين تريدون رحمكم اللّه ؟ أفرارا عن أمير المؤمنين ، أم فرارا من الزّحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتدادا عن
هامش
( 1 ) الأرمك : الأحمر يخالطه سواد .