فغنّاه « رجل » فتابعه بعض ، وخالفه آخرون ، فسأل الواثق عمن بقي من رؤساء النحويين بالبصرة ، فذكر له أبو عثمان المازنيّ « 1 » ، قال : فأمر بحملي ، وإزاحة علّتي فلما وصلت إليه وسلّمت قال : ممّن الرجل ؟ قلت : من بني مازن . قال : أمن مازن قيس ، أم مازن تميم ، أم مازن ربيعة ، أم مازن اليمن ؟
فقلت : من مازن ربيعة . فقال لي : با اسمك ؟ يريد : ما اسمك ؟ قال : وهي لغة كثيرة في قومنا ، فقلت على القياس : مكر ، أي : بكر ، يا أمير المؤمنين ؛ فضحك وقال : اجلس واطبئنّ . فجلست ؛ فسألني عن البيت ، فأنشدته « 2 » :
[ الكامل ]
أظليم ، إنّ مصابكم رجلا
فقال : أين خبر إنّ ؟ قلت : ظلم . أما ترى يا أمير المؤمنين أنّ البيت كلّه متعلق به ، لا معنى له حتّى يتم بهذا الحرف ، إذا قال :
« أظليم إنّ مصابكم رجلا أهدى السلام إليكم » .
فكأنه ما قال شيئا ، حتى يقول : ظلم . قال : صدقت . ألك ولد ؟ قلت :
بنيّة . قال : فما قالت حين ودّعتها ؟ قلت : أنشدت شعر الأعشى « 3 » :
[ المتقارب ]
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيل * أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا ؛ فلا رمت من عندنا * فإنّا بخير إذا لم ترم
قال : فما قلت لها ؟ قال : قول جرير « 4 » : [ الوافر ]
ثقي باللّه ليس له شريك * ومن عند الخليفة بالنجاح
هامش
دهبل الجمحي في ديوانه ص 66 .
( 1 ) المازني : هو أبو عثمان بكر بن محمد بن عدي بن حبيب بن عثمان المازني البصري النحوي ، توفي سنة 249 ه ، من تصانيفه : « تفسير كتاب سيبويه » في النحو ، « الديباج على خليل من كتاب أبي عبيدة » ، « علل النحو » ، « كتاب الألف واللام » ، « كتاب التصريف » ، « كتاب العروض » ، « كتاب القوافي » ، « كتاب ما يلحن فيه العامة » . ( كشف الظنون 5 / 234 ) .
( 2 ) انظر الحاشية ما قبل السابقة .
( 3 ) البيتان في ديوان الأعشى ص 91 ، ولسان العرب ( ريم ) ، وتاج العروس ( ريم ) .
( 4 ) البيت في ديوان جرير ص 98 .