وذكر أنّ الكسائي « 1 » قام إليه يوما - وهو يعلّمه وهو صغير - فضربه .
وقد كان صلّى ذلك اليوم قاعدا : أما تستحي أيها الشيخ تصلّي للّه قاعدا ، وتضربني قائما ! .
قال بعضهم : قرأت كتاب ذي الرئاستين « 2 » إلى المأمون ، وتوقيع المأمون فيه ، فإذا في الكتاب بعد الصّدر والدعاء :
إنّ قارئا قرأ البارحة : « وقلن نسوة في المدينة » « 3 » ، فأنكرنا ذلك عليه ، فذكر أنّ الكسائيّ أجازه ، وكتاب اللّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فرددنا علم كتاب اللّه إلى خليفته .
قال : وإذا توقيع المأمون فيه : عمّرك اللّه - ذا الرئاستين - طويلا في طاعته ، وجعلك قائما بأمر دينه ، ذابّا عن حريم أمته ، إن لكلّ علم دستورا ، ودستور هذا العلم القرآن ؛ فعليك بقراءته على ما أجمع عليه ، ولا تلتفت إلى مختار قولا ليعقد له رئاسة ، والسلام .
كتب المأمون إلى طاهر لما قتل عليّ بن عيسى في رسالة طويلة :
إنّما لك من هذا الأمر موقع السّهم من الرميّة ، والتسديد والرأي ، والتدبير لأبي العباس الفضل بن سهل .
وكان يقول : إذا رفعت المائدة من بين يديه : الحمد للّه الذي جعل أرزاقنا فضلا عن أقواتنا .
وقال : ما انفتق عليّ فتق قطّ إلا وجدت سببه جور العمال .
هامش
( 1 ) الكسائي : وهو علي بن حمزة بن عبد اللّه بن عثمان ، مولى بني أسد ، أبو الحسن ، المعروف بالكسائي ، ثم البغدادي الكوفي ، أحد أئمة النحو ، توفي سنة 189 ه ، له من المصنّفات :
« اختلاف العدد » ، « أشعار المعاياة وطرائقها » ، « قصص الأنبياء » ، « كتاب الحروف » ، « كتاب العدد » ، « كتاب القراءات » ، « كتاب المصادر » ، « كتاب النوادر الأصغر » ، « كتاب النوادر الأكبر » ، « كتاب النوادر الأوسط » ، « كتاب الهاءات » ، « المكنى في القرآن » ، « كتاب الهجاء » ، « مختصر في النحو » ، « معاني القرآن » ، « مقطوع القرآن وموصوله » ( كشف الظنون 5 / 668 ) .
( 2 ) ذو الرئاستين : هو الفضل بن سهل السرخسي ، أبو العباس ، وزير المأمون ، وصاحب تدبيره ، لقب بذي الرئاستين لأنه جمع بين رئاستي القلم والتدبير ، توفي سنة 202 ه ( الأعلام 5 / 149 ، زهر الآداب ص 30 ، الوزراء والكتاب ص 305 ) .
( 3 ) في القرآن الكريم :وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ[ يوسف : الآية 30 ] .