قال معاوية ليزيد : إن كنت بعدي - وكنه . فابدأ بالخير ، فإنه يعفّي « 1 » على الشر ، وما صنعت من شيء فاجعل بينك وبين اللّه سترا ترجوه له ، وتأمله به .
وإيّاك والقتل فإن اللّه قاتل القاتلين .
وصف معاوية الوليد بن عتبة فقال : إنه لبعيد الغور ، ساكن الفور ، نبتة أصل لا يخلف ، وسليل فحل لا يقرف « 2 » .
ودخل خالد بن يزيد دار عبد الملك ، وكان يسحب ثيابه ؛ فقام إليه عبد الرحمن بن الضحاك يتلقّاه معظّما له ؛ فقال له : بأبي أنت وأمي ، لم تطعم الأرض فضول ثيابك ؟ فقال : إني أكره أن أكون كما قال الشاعر « 3 » : [ الطويل ]
قصير الثياب فاحش عند بيته * وشرّ قريش في قريش مركّبا
وهذا البيت هجي به الضحاك . قال الجاحظ : لو لم يتكلف ما لا يعنيه لم يسمع هذا الجواب .
قال بعضهم : كنت عند معاوية إذ دخل عبد الملك ، فتحدث ونهض ، فقال معاوية : إنّ لهذا الغلام همة ، وخليق أن تبلغ به همّته ، وإنه مع ما ذكرت تارك لثلاث آخذ بثلاث ؛ تارك مساءة الجليس جدّا وهزلا ؛ تارك لما يعتذر منه ، تارك لما لا يعنيه ؛ آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث ، وبأحسن الاستماع إذا حدّث ، وبأهون الأمرين عليه إذا خولف .
وقال معاوية لابنه يزيد : إذا وليت فابسط الخير ، فإنه يعفّي على العيب ، واتق اللّه يقك ، وإيّاك والقتل ؛ فإنّ اللّه قتّال للقاتلين .
وقال لعبيد اللّه بن زياد : يا ابن أخي ؛ احفظ عني ، لا يكوننّ في عسكرك أمير غيرك ، ولا تقولنّ على منبر قولا يخالفه فعلك ، ومهما غلبت فلا تغلبنّ على ميتة كريمة .
وقال معاوية : آفة المروءة الكبر وإخوان السوء ، وآفة العلم النّسيان ، وآفة الحلم الذل ، وآفة الجود السرف ، وآفة القصد البخل ، وآفة المنطق الفحش ،
هامش
( 1 ) يعفّي على الشر : أي يزيله ويفنيه .
( 2 ) أقرف الفرس : صار هجينا ، وأقرف الرجل : إذا كان أحد أبويه غير عربي .
( 3 ) البيت لعلي بن عبد العزيز في محاضرات الأدباء 1 / 128 .