الباب السادس نوادر أبي العيناء « 1 » ومخاطباته
حمله بعض الوزراء على دابّة ، فانتظر علفها ، فلما أبطأ عليه قال : أيها الوزير هذه الدابة حملتني عليه أو حملته عليّ .
قال له المتوكل يوما : إلى كم تمدح الناس وتذمّهم ؟ فقال : ما أحسنوا وأساءوا ؛ فقد رضي اللّه عن عبد فمدحه ؛ فقال :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص :
الآية 30 ] وغضب على آخر فزنّاه . قال : « ويلك أيزنّي اللّه أحدا » ؟ قال : نعم .
قال اللّه تعالى :
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
( 13 ) [ القلم : الآية 13 ] ، والزّنيم : الدخيل في القوم وليس منهم .
وقال أبو العيناء : قال لي المتوكل يوما : هل رأيت طالبيّا قطّ ، حسن الوجه ؟ قلت : نعم ، رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة واحدا . قال : تجده كان يؤاجر وكنت أنت تقود عليه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، قد بلغ هذا من فراغي ، أدع الموالي مع كثرتهم وأقود على الغرباء . فقال المتوكل للفتح : أردت أن اشتفي منهم فاشتفى لهم مني .
قال : وقال لي يوما : لا تكثر الوقيعة في الناس . فقلت : إنّ لي في بصري شغلا عن ذلك . فقال : ذاك أشد لحقدك على أهل العافية .
وقال له يوما المتوكل : إنّ سعيد بن عبد الملك يضحك منك ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
( 29 ) [ المطفّفين : الآية 29 ] .
هامش
( 1 ) أبو العيناء : هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الهاشمي ، ولد سنة 191 ه ، أديب فصيح ، من ظرفاء العالم ومن أسرع الناس جوابا ، اشتهر بنوادره ، كاتب شاعر ، ولكنه خبيث اللسان ، كف بصره في الأربعين ، وتوفي بالبصرة سنة 287 ه ( الأعلام 6 / 334 ) .