الأصل الثامن في علم فضيلة الأذكار والتلاوة والأوراد وفيه مقدمة ومطالب : المقدمة
اعلم : أن من المقدمات المقررة عند الخواص بل العوام ، ان السعادة في لقاء اللّه الملك العلام ، ولا سبيل اليه الا بالحب له والمعرفة وهما لا يحصلان الا بدوام الفكر في صفاته وأفعاله ، وأن كل جمال وكمال شعبة من جناب جلاله وحضرة جماله . ثم إن النفس لما ابتليت بمصاحبة هذا البدن ليعينها في بلوغ مطالبه ، ولما احتاج البدن إلى حسن تدبير النفس إياه وتربيته ، ولن يسخر اللطيف الكثيف بالاختيار حتى يقاسي رعايته وتربيته : أودع اللّه سبحانه وتعالى بينهما رابطة الحب لتكون تلك الرابطة واسطة تلك الرعاية .
ثم أن النفس الجاهلة - بسبب شوقها إلى البدن - ربما تميل إلى شهواته ومقتضياته ، فتنسى ما خلقت لأجله من معرفة مبدئه وتدبير معاده . فلا بد لإزالة هذا الميل عنها من اختيار التدريج : وذلك التدريج بالذكر ، ثم الفكر ، ثم الشوق ، ثم العزم ، ثم قطع العوائق ، ثم السلوك إلى المطلب .
ولما كان أصل الكل الذكر المنتج للفكر ، وذلك لا يحصل بالقدر اليسير منه لما نازعته الشهوات البدنية لا جرم كان الواجب على الانسان الذكر المستغرق للأوقات ، حتى ينتهي إلى الفكر وينزع النفس عن الشهوات .
ولما كان استغراق الكل متعذرا ، واستغراق الأكثر متعسرا ، لوجوب المصالح