العمل بها إلى أن جاء الشرع الشريف ، وإذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل .
وأما الذين يقولون : لا بد للشرع من انضمام السياسة ، فهذا خطأ الجهلة والعوام ، إذ الشرع لا يحتاج إلى غيره ، ومضمون قولهم هذا : أن الشرع لم يرد بما يكفي في السياسة ، فاحتجنا إلى تتمة من آرائنا ؛ فيقتلون من لا يجوز قتله شرعا ، ويفعلون ما لا يحل فعله ، ويسمون ذلك سياسة ، وهذا اتعاط على الشريعة بما يشبه المراغمة به . أولئك الذين ينتصف اللّه منهم في الدنيا والآخرة . قاتلهم اللّه وخذلهم . وكيف يحتاج الشرع إلى السياسة ، والأنبياء تكمل بهم أمور الدارين ، وما يصلح به البشر كليا . علميا وعمليا وذوقيا وكشفيا وشهودا ، سيما ولا أكمل ولا أفضل مما نطق به خير البشر ، وأشار إليه سيد الأنبياء ، حتى لو اجتمع عقول العقلاء ، وفهوم الحكماء والأصفياء ، لم يقدروا المزيد عليها ولو بجزء من ألف ألف جزء من ذرة صغيرة .
الحمد للّه الذي هدانا لهذه النعمة الجليلة . ونسأله : أن يرزقنا الحظوة الكاملة الجزيلة ، من هذا المشرع الصافي ، والمنبع الوافي ، في الأول والآخر ، والباطن والظاهر .
ثم إن الحكماء ذكروا علومهم العملية ، وبحثوا فيها عن الأعمال الصادرة عن البشر . وتلك الأعمال :
أما أن تتعلق بالشخص وحده وهي : « علم الأخلاق » ؛
أو يتعلق بأهل المنزل ، لدوام الانس والائتلاف ، وهي : « علم تدبير المنزل » ؛
أو تتعلق بأحوال أهل البلد ، لنظام أحوال الملك والسلطنة ، وهي : « علم السياسة » وهذه علوم ثلاثة ، ولنذكر كلا منها في شعبة ، ثم نردفها بشعبة رابعة لبيان فروعها .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 382
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٨٢