قلت : والأنصاف أن الجدل لإظهار الصواب على مقتضى قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 1 » ، لا بأس به ، وربما ينتفع به في تشحيذ الأذهان وتصقيل الخواطر . والذي منع عنه العلماء هو الجدل الذي يضيع الأوقات ، ولا يحصل منه طائل ، وكثيرا ما لا يخلو عن التحاسد والتنافس المذمومين في الشرع . فعليك الاحتياط لئلا تقع في المهالك من حيث لا تشعر .
علم الخلاف
وهو علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة ، من الأدلة الإجمالية والتفصيلية ، الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء ، أفضلهم وأمثلهم : أبو حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي ، رضي اللّه عنه ؛ ومن أصحابه : أبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ، والإمام الشافعي ، والإمام مالك ، والإمام أحمد بن حنبل ، رضي اللّه تعالى عنهم ؛ ثم البحث عنها بحسب الإبرام والنقض لأي وضع أريد في تلك الوجوه .
ومبادئه : مستنبطة من علم الجدل ، فالجدل بمنزلة المادة ، والخلاف بمنزلة الصورة ، وله استمداد من العلوم العربية والشرعية .
وغرضه : تحصيل ملكة الإبرام والنقض .
وفائدته : دفع الشكوك عن المذهب وإيقاعها في المذهب المخالف .
وقد أورد علم الخلاف والجدل ، الإمام فخر الدين الرازي في كتاب ( المعالم ) . وقد جمع بعض العلماء في علم الخلاف المسائل العشرين ، وبعضهم الأربعين ، وغير ذلك من الرسائل والتعليقات ، لكن قد ضاعت كتبه ، وانطمست آثاره ، وبطلت معالمه في زماننا هذا ، حتى أن طلبة زماننا ، لا يتفطنون الفرق بين الخلاف والجدل والمناظرة ، فضلا عن معرفة شيء من كتبها ، فضلا عن اطلاع بعض مسائلها . وإلى اللّه المشتكى من زمان صار الكلام فيه كلاما بلا أثر ، والخلاف خلافا بلا ثمر ، والأصول فضولا ، والمعقول مغفولا .
هامش
( 1 ) سورة النحل آية 125 .