ثم انك إذا عرفت من الأدلة النقلية قدرا يحصل به التنبيه على المرام ، فلنورد من الأدلة العقلية ، ما يحصل لك اليقين التام .
وأعلم أن شرف الشيء وفضيلته أما لذاته أو لغيره ، والعلم جائز لكلا الشرفين ، وجامع لكلتا الفضيلتين ، لأنه لذيذ في نفسه فيطلب لذاته ولغيره ، فيطلب لأجله من وجوه :
أما ( الأول ) : فلا يخفى على أحد من مزاوليه ، لأنها لذة لا نهاية لها ولا لذة فوقها ؛ وكان محمد بن الحسن ، يقول عندما تنحل له مشكلات العلوم : أين أبناء الملوك من هذه اللذة ، سيما إذا كانت الفكرة في ملكوت السماوات والأرضين وفي أسرار رب العالمين .
وأيضا : أن شرف العلم لا يقبل العزل ، كعزل الولاة والأمراء وسائر أرباب المناصب الدنيوية ، ومع دوامها لا مزاحمة فيها لأحد ، لأن المعلومات متسعة للطلاب وان كثروا ، بل تزيد بكثرة الشركاء ، بخلاف حطام الدنيا وجاهها ، ولهذا يكثر فيها البغضاء ، ويعظم في تحصيلها الشحناء ، ومع كونها أو في اللذات وأدومها وأشملها وأعمها ، لا ترى أحدا من الولاة والأمراء وسائر أبناء الدنيا لا يتمنون أن يكون عزهم كعز العلماء ، إلا أن الموانع الشهوانية تمنع عن نيلها . هذه هي اللذائذ الحاصلة في نفس العلم .
وأما اللذائذ الحاصلة له لغيره :
أما في الأخرى : فلكونه وسيلة تارة إلى أعظم اللذائذ الأخروية ، وأخرى إلى أكمل السعادات الأبدية . أما الأول : فلذة الوصول إلى جوار رب العالمين ، والبلوغ إلى مرضاته التي هي المقصد والسعادة الكبرى ، ولذة النظر إلى وجهه الكريم التي هي غاية الغايات ومنتهى جميع السعادات .
وأما ( الثاني ) : فلأن العلم لا أقل من أن يكون سببا للوصول إلى الأفق المبين ، ولحوق زمرة الملأ الأعلى في جوار رب العالمين . ولا يخفى أنه لا بلوغ إلى شيء منها إلا بالعمل المتوقف على العلم ، فهو رأس السعادات ورئيسها .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 15
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص١٥