الممكن ملاحظة النزعة العلمية في خضم مجمل النزعات التي ظهرت في أنشطة دوائر الاستشراق ، خصوصا تلك التي تناغمت مع تأصيل التراث العبري ، وفق سياقات النصوص العلمية القديمة المعنية بتقسيم العلوم ، وتحديد المصطلح الخاص بكل علم من تلك العلوم .
وعلى الرغم من الروح الاستعلائية التي عولجت بها مسألة تقسيم العلوم ومصطلحاتها ، وعلى نحو خاص ربط التطور المعرفي لتلك العلوم ومصطلحاتها بالسياقات اليونانية ؛ فقد وجد الاستشراق العلمي في القرن التاسع عشر أنّ من موروثاته اللاتينية ( والعبرية ) المهمة في كتاب فريد في المؤثرات اليونانية ولا نظير له في تأصيل العلوم العربية - الإسلامية ؛ ذلك هو كتاب « إحصاء العلوم » لأبي نصر الفارابي . ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة لظهور نشرة فان فلوتن لكتاب « مفاتيح العلوم » للخوارزمي الكاتب « 1 » ، فالصلة بين كتاب الفارابي في الموروث اللاتيني في دوائر عموم الاستشراق منذ العصر الوسيط وحتى أواخر القرن التاسع عشر ، وبين كتاب الخوارزمي الكاتب الذي كان يجهله كل المستشرقين قبل 1895 ، بنصه العربي ، تكاد تكون صلة منهجية صادرة عن مؤثرات فلسفة الفارابي في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي .
فكتاب الفارابي عرفته أوروبا اللاتينية منذ عهد مبكّر في ترجمة جيراد الكريموني
Gerard de Cremona
( عاش 1114 - 1187 ) بمعاونة يوحنا الإشبيلي
Juan de Sevilla
معاصره في كتاب
Liber AlPharabi de SCIENTIIS
، وكذلك ترجمة كنديسالقي
Dominico Gundisalvi
( القرن الثاني عشر ) أيضا ، في كتاب
AlPharabi PhilosoPhi OPusuclum de Scientiis
« 2 » ، فكان من تأثير كتاب الفارابي
De Scientiis
أنّه قدّم للفلاسفة في العصر الوسيط تصورات
هامش
( 1 ) انظر كتابنا : المصطلح الفلسفي عند العرب ، بغداد 1985 ، ص 12 وما يليها .
( 2 ) انظر مقدمة عثمان أمين لكتاب إحصاء العلوم ، ص 8 .