في كل ذلك خير إعداد لما تمرس به
بعد من مهمات . في عام 1345 ه -
1927 م ندبه والده لينوب عنه في المباحثات
مع بريطانية التي انتهت بالتوقيع على معاهد
جدة في 18 / 11 / 1345 ه ( 20 / 5 / 1927 م )
التي اعترفت بريطانية بمقتضاها بحكومة
الملك عبد العزيز . قام بعدها بزيارة
معظم دول أوروبا وآسية ، ممثلا بلاده في
مختلف المؤتمرات . وتوالت مجالات بروز
أثره العالمي ، فرأس مؤتمر القمة العربية
الثاني ومؤتمر الدول غير المنحازة في
مصر ، عام 1964 . وكان هذا الحضور
الفاعل الذي مارسه الفيصل في المجالات
الواسعة ، العربية والعالمية ، عاملا لبلورة
ملكة القيادة لديه ، التي برزت في أخذه
المملكة نحو آفاق التطوير المدني العلمي
الحديث السليم ، أثناء توليه رئاسة الحكومة
في نواح من المملكة ، أو نيابته عن والده
أو رئاسته لمجلس الشورى أو توليه وزارة
الخارجية أو رئاسة مجلس الوكلاء ثم رئاسة
مجلس الوزراء ، إلى أن بويع - إثر انتقال
والده إلى رحمته الله وتولي أخيه للملك -
بولاية العهد وذلك في 11 / 3 / 1373 ه =
9 / 11 / 1953 م .
وفي يوم الاثنين 27 جمادي الآخرة عام
1384 ه = 3 / 11 / 1964 ، بايع الشعب
العربي السعودي بالاجماع جلالة الملك
فيصل بن عبد العزيز ملكا شرعيا على
المملكة العربية السعودية .
كان تصور الملك فيصل لدوره في
قيادة بلاده ، ودور بلاده التي اتخذت أقيسة
عالمية في قدراتها وأثر تحركاتها - يدور
على ثلاثة محاور ، الأول : النهوض
بالمملكة العربية السعودية . الثاني : إحياء
مجد الاسلام . الثالث : دعم التضامن
العربي والاسلامي ، والدفاع عن الحقوق
المغتصبة من العرب والشعور والعمل
الأوفيان للنصرة الحقيقية لقضيتهم الأولى ،
قضية فلسطين .
ففي المجال الداخلي كانت الشريعة
الاسلامية الراية والمنطلق والهدف ، التي
تحدد الإطار لعمل الدولة العام ، وذلك
في وضع وتنفيذ قواعد تنظم علاقات
مختلف سلطات الحكم بعضها ببعض .
كما تجعل الفعاليات المختلفة للدولة تنهج
سبلا حديثة وأسسا حضارية طبيعية :
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فقد
كانت الشريعة الاسلامية تؤمن تحقيق
العلاقات الشرعية العادلة بين الفرد والفرد
وبين الحاكم والمحكوم . كان ذلك
الإطار العام لمشاريع تغطي أنشطة المجتمع
كافة ، وذلك ضمن خطط خمسية تعمل
على تطوير العنصر البشري في المملكة
والنواحي الاقتصادية والعمرانية المختلفة
فيها ، تهيئة لاضطلاعها بمسؤولياتها الجسام
في الشرق وفي العالم أجمع . من هنا كانت
النهضة العملاقة - الصعبة التصور على
غير الذي عايشها عن كثب - في جميع
أركان المجتمع ، كما كان العمل بدأب
وتضحية ومثابرة على تحقيق كل ما يلزم
لقيام البلاد بدور المنتجع لمسلمي العالم لأداء
ركن من أركان دينهم ، ضمن شروط
يطرد تحسينها .
ولكن الله لم يشأ أن يتم تحقيق هذا
البرنامج الفذ في حياة الملك فيصل ،
فانتقلت مسيرة البلاد إلى الملك خالد
ومعاونة ولي العهد الأمير فهد بن عبد
العزيز ، وذلك إثر وفاة الملك فيصل
فجأة ، صباح الثلاثاء الواقع فيه 13 / 3
1395 ه ( 25 آذار 1975 م ) متأثرا من
جراحه التي خلفها حادث الاعتداء الأثيم
عليه من قبل الأمير فيصل بن مساعد بن
عبد العزيز ، المعروف باختلال عقله .
وقد خلف ، رحمه الله ، من الأنجال ،
الأمراء : عبد الله ، وسعودا ومحمدا وخالدا
وعبد الرحمن وسعدا وبندر وتركيا .
ولعل أوضح ما يوجز ما قام به ، وما كان
يقوم به ، وما كان ينوي أن يقوم به ،
تصريحه لمحطة التلفزيون قبل يومين من
وفاته الذي جاء فيه ما يلي :
قد لا يكون تطور المملكة الذي
أنجز حتى اليوم مرضيا لطموحنا ، ولكنه
يتميز بأنه مدروس ، وأنه أقصى ما يمكن
تنفيذه عملا ، ونحن نريد أن تكون هذه
المملكة ، الآن ، وبعد خمسين سنة من
الآن ، إن شاء الله ، مصدر إشعاع للانسانية
والسلام ، يسكنها شعب مؤمن بالله .
يجب أن تشكل الدولة الفلسطينية
على الأرض الفلسطينية ، وتعود الحقوق
المشروعة للشعب الفلسطيني ، كما أن عودة
القدس إلى الإدارة العربية أمر حيوي
في نظرنا ، ولا يمكن أن نقبل بغير ذلك .
وصفه أحد معايشيه فقال عنه :
" كان رجلا كله جد في وداعة ،
وتواضع في ترفع ، يعمل لمواجهة ما يضمره
المستقبل مع الايمان به . طويل الصبر
والحلم والأناة ، دون أن يستكين أو يتواكل
أو يغفو ، يستمع إلى ما يدور في أعماق
الناس أكثر مما يستمع إلى ما يقولون ،
يقف في شهامة إلى جانب الحق حيثما
كان ، مع عفة لسان ودون جلية ،
أذناه أعمل من لسانه ، وأغواره أعمق
من مظهره ، يجلوه وقار ، دون تجهم
الأعلام — صفحة 167
مساهمون: خير الدين الزركلي
ص١٦٧