فما كنت بشيء أسرّ منّي بما سمعت يومئذ من المنصور والمعزّ لدين اللّه صلوات اللّه عليهما . ونزّلت ذلك القول وتدبّرته بحسب ما ينبغي أن ينزّل ويتدبّر قول أولياء اللّه ، فرأيت قول المعزّ لدين اللّه صلوات اللّه عليه : وجزاك خيرا عن نفسك / ، قولا ظاهرا مكشوفا بيّنا معروفا غير محتاج إلى التأويل ومستغنيا عن الدليل ، يصدّقه قول اللّه عزّ وجلّ :
« إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
« 1 »
»
.
وقول المنصور باللّه صلوات اللّه عليه : إذا جزى اللّه المحسنين خيرا فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء ، مثله في معناه ، إذ كان المحسنون لم يحسنوا إذا عملوا الصالحات ، إلى اللّه ، تعالى عن ذلك ، وإنّما أحسنوا إلى أنفسهم كما قال اللّه عزّ وجلّ .
وقوله : فجزاك اللّه عنّا ، محتاج إلى التأويل وغير مستغن عن الدليل ويحتمل وجوها :
أحدها أن يكون قوله : جزاك اللّه عنّا أي منّا ، وبنا ، ونحو هذا ، لأنّ حروف / الخفض عند أهل العربيّة يخلف بعضها بعضا . قال اللّه عزّ وجلّ ، حكاية عن فرعون :
« وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
« 2 »
»
، أي على جذوع النخل . وكان الدعاء معناه في ذلك أن يجزي اللّه الجزاء على أيديهم أو بهم أو منهم في عاجل الدنيا أو في آجل الآخرة أو فيهما معا . وذلك الذي أرجوه ، واثقا بقبول الدعوة ، ولا قوّة إلّا باللّه .
وقد يكون مجاز قوله : عنّا ، أي : عن ولايتنا ومحبّتنا والنصيحة لنا .
أو يكون معناه : جزاك ثواب ما قمت به ممّا ولّيناك أمره فأحسنت فيه إلى نفسك . أو ما يجري هذا المجرى .
والكلام فيه يتّسع والشواهد / عليه كثيرة ، تركنا ذكرها اختصارا لا على أن يظنّ ظانّ أو يتوهّم متوهّم أنّ له على أولياء اللّه منّة أو فضلا أو نعمة يجب أن يجازى عليها .
هامش
( 1 ) الإسراء ، 7 .
( 2 ) طه ، 71 . ونيابة حروف الجر عن بعضها بعضا - وهو ما يسميه بعضهم « تضمينا » - لا يتفق عليها الجمهور .