تقيّة من أن يكون ممّا لا ينبغي لنا سماعه ، وننظر إلى وجهه يتهلّل لما سمعه ، ويكثر من حمد اللّه حتّى انقضى كلامهم وانصرفوا .
والتفت إلينا متهلّلا مستبشرا مسرورا فقال : قد سمعتم كلام القوم ؟
قلنا : سمعناه ولم نفهم .
فقال : نعم ، فاسمعوه : ذكروا أنّ اللّه ( تعالى ) قد كثّر أهل دعوتنا وأولياءنا قبلهم ، وإن كان هذا الفاسق قد بثّ ما بثّه فيهم ، فإنّه لم يشتهر عنه كلّ الاشتهار ، ولم يكن اطّلع عليه إلّا أهل ثقته ومن قرب منه ، وأنّ اللّه ( تعالى ) أقبل بملك من ملوك أهل الناحية له قوّة ومنعة / وعدّة ورجال ، فاستجاب إلى الدعوة « 1 » بمن معه ، وصار في حزب المؤمنين ، وقوي به أمرهم وأظهروه ، وأعلنوا باسمي وشهّروه وكتبوه على الأعلام ، وخطبوا به على المنابر ، وأنّ ملوك الناحية أنكروا ذلك عليهم ، فأقبلوا بجموع عظيمة إليهم لا يحصى عددها ، ولا يبلغ عدد المؤمنين عشير معشارها .
فلمّا رأوا ذلك ، اجتمعوا في موضع واحتفروا عليهم خندقا ، فما هو إلّا أن وصل عدوّهم إليه / و / ردموه لكثرتهم ساعة وصولهم إليه ، واقتحموه عليهم ، فأمر ذلك الملك المستجيب أصحابه بالحملة وجماعة المؤمنين ، وقد حسنت بصيرته وخلصت نيّته ، فقالوا له : / على من نحمل وبين أيدينا عدد الثرى ؟
فقال : لا تنظروا إلى ما بين أيديكم من الملإ ، ولكن انظروا إلى السّماء ، فإنّ من عليها معكم ، وهو ناصركم ومؤيّدكم . فحملوا حملة صدق بنيّات خالصة ، وحمل جماعتهم وحمل معهم ، فانهزم الملأ بين أيديهم من عدوّهم ، ومنحهم اللّه أكتافهم « 2 » .
فقتلوا منهم ما لا يحصى عددا ، وغنموا من أموالهم وسلاحهم وكراعهم ما امتلأت منه أيديهم ، وفرّق اللّه جمع عدوّهم ، وأقبل من حولهم بالطّاعة لهم والتسليم لأمرهم ، فدانت لهم مدن كثيرة ، واستعملوا عليها
هامش
( 1 ) ب : نقص من « له قوة إلى . . . إلى الدعوة » .
( 2 ) أي : خيلهم ، ولعلها : أكثافهم ، أي ، جماعاتهم .