كلام في إصرار الظالمين على الباطل :
191 - ( قال ) وسمعته ( صع ) يوما يقول : واللّه لا يخفى حقّنا عن الناس ، ولو أنصفوا من أنفسهم واطّرحوا أهواءهم ونظروا بعيون الإنصاف منهم لما استتر ذلك عنهم ، وما يستر ذلك عن جاهلهم إلّا جهله ولا يتخلّف عنه عالم إلّا شحا على رئاسة . ولقد / فاوضت فلانا - وذكر رجلا من علماء العامّة عندهم وأكابرهم - وبسطته « 1 » في القول وما زلت به إلى أن أقرّ بحقّنا واعترف به اعتراف من لم أشكّ أنّ اعترافه اعتراف حقيقة لا اعتراف مداراة وتقيّة ، وانقطع ووقف في يدي « 2 » ، فقلت له : ما يمنعك بعد هذا من الرجوع عمّا أنت عليه إلى ما أقررت به ؟ فلم يحر جوابا .
فقلت له : إن شئت عرّفتك لم لا تفعل ذلك .
فقال مستريحا من تعذّر الجواب عليه إلى قولي : ما هو يا أمير المؤمنين ؟
قلت : أنت رجل قد ترأّست في العامّة وذكرت بالعلم فيهم ، وصار لك بذلك حال عندهم ، فإذا أنت فارقتهم وصرت إلينا / نبذوك واستخفّوا بك وسقط عندهم جاهك ، ولم تكن عند أوليائنا في حال من برع في علم دخل فيه لقرب عهدك به ، وصرت دون من سبقك إلينا منهم ، فلا أنت صرت إلى ما أنت اليوم فيه عند أصحابنا ، ولا أنت بقيت عليه عند أصحابك .
فقال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ! أعوذ باللّه من ألسنة بني هاشم ! وتبيّن لي منه أنّه قد علم أنّ الذي قلت هو سرّه فاستخذى « 3 » وجعل يلوذ في كلامه ، فأعرضت عنه وتركته ، نعوذ باللّه من الخذلان والشّقوة .
ولقد مات هذا الرجل بعد هذا القول عن قرب عهد به بعد صحبة طويلة للأئمة صلوات اللّه عليهم / وفضل جزيل كان إليه منهم ، وما تمتّع بما اعتاضه برئاسته من نعمة اللّه وفضله وكرامته وما دعاه إليه وليّه وتأكّدت به حجّة اللّه عليه إلّا القليل . وما كان ما كان من وليّ اللّه من هذا القول إليه إلّا تأكيدا بحجة اللّه عليه .
هامش
( 1 ) بسطه : سره وطمأنه .
( 2 ) هكذا في النسختين ، ولعل المعنى : وقع في قبضتي وتحت طائلتي .
( 3 ) استخذى : استرخى واضطرب .