فقال حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الاعراب وفي ذلك يقول شاعرهم
لقد عقدت محبتها في قلبي * كما عقد الحليب الخنبشار
وقال له يوما وقد قدم اليه طبق فيه تمر ، ما التمركل في كلام العرب ؟ فقال الرجل : تمركل الرجل تمركلا إذا التف قمع كتابه وكان مع ذلك عالما . قال ابن بسام : وكان لابن أبي عامر فتى يسمى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب ، فناظر صاعدا هذا فقطعه وظهر عليه وبكته فأعجب المنصور ، وقال : وتوفى فاتن هذا في سنة اثنين وأربعمائة وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصححة . وكان منقادا لما يتنزل به من المثلة فلم يتخذ النساء كغيره . وكان في ذلك الزمان جملة في الفتيان المحابيب فيمن أخذ من الأدب بأوفر نصيب قال :
فرأيت تأليف الرجل منهم يعرف بحبيب ، ترجمة بكتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالية وذكر فيه جزءا من أشعارهم وأخبارهم ونوادرهم ، قال ابن بسام : ومن عجيب ما اتفق لصاعد أنه أهدى إبلا إلى المنصور وكتب على يد موصله .
يا حرز كل مخوف وأمان كل * مشرد ومعز كل مذلل
عبد جذبت بضيمه ورفعت من * مقداره واهدى إليك بابل
سميته غرسيه وبعثته * في حبله ليصبح فيه تفاءلى
فقضى في سابق علم الله تعالى أن غرسية ملك الروم أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه بالإبل وسماه باسمه على التفاؤل .
فصل - قال علي بن بسام : كان عبد الملك بعد أبيه قد فوض الأمر إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره ، واستقل بالأمر فحسده