بالقدر . فبعث إليه فحجبه أياما ثم قال له : يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين إن اللّه تعالى يقول :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ الإنسان : 1 ] حتى بلغ :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] ، فقال عمر : اقرأ آخر السورة :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] . فقال غيلان :
كنت أعمى فبصرتني ، وأصمّ فأسمعتني ، وضالّا فهديتني . فقال عمر : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا وإلا ! ووقف هنا لأن المعنى مفهوم كما تقدم . فأمسك غيلان عن الكلام في القدر .
فلما مات عمر وأفضت الخلافة إلى هشام تكلم في القدر ، فقطع هشام يده ، فمر به رجل والذباب يقع على يده فقال : يا غيلان هذا قضاء وقدر . فقال : كذبت لعمر اللّه ما هذا قضاء ولا قدر . قال : فبعث إليه هشام فصلبه .
وفي رواية : أن غيلان لما قرأ على عمر رضي اللّه عنه :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[ الإنسان : 1 ] حتى بلغ :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] . فقال له عمر : ويحك من هاهنا تأخذ الأمر وتدع بدء خلق آدم . قال : هات يا أمير المؤمنين .
فقال عمر :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[ البقرة : 30 ] إلى قوله :
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
[ البقرة : 33 ] . فقال غيلان : يا أمير المؤمنين واللّه لقد جئتك ضالّا فهديتني ، وأعمى فبصرتني ، وجاهلا فعلمتني ، واللّه لا أتكلم في شيء من هذا الأمر أبدا . فقال عمر : واللّه لئن بلغني أنك تكلمت في شيء منه لأجعلنك نكالا للعالمين . فلم يتكلم حتى مات عمر ، فلما مات عمر سال فيه سيل الماء أو سيل البحر .
قلت : فالإيمان بالقدر فرض واجب ، دلت على ذلك العقول وجاء به الشرع المنقول . خرج مسلم رحمه اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه عدّه في الإيمان فقال : وأن تؤمن بالقدر كله خيره وشره . وسئل سلمان رضي اللّه عنه عن القدر والإيمان به فقال : أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولا تقل لولا كذا وكذا لم يكن كذا وكذا ولو كان كذا وكذا لم يكن كذا وكذا .
ويروى أن نفرا من أصحاب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قالوا : لو حرسنا أمير المؤمنين فإنه محارب ولا نأمن أن يغتال ، قالوا : فبتنا عند حجرته حتى خرج لصلاة الصبح فقال : ما شأنكم ؟ فقلنا : خشينا أن تغتال فحرسناك . فقال : أمن أهل السماء تحرسوني أم من أهل الأرض ؟ قلنا : لا بل من أهل الأرض ، فكيف نستطيع أن