كيف تعطي التعقيب على مذهب العرب ومعرفتهم بتنزيل الكلام .
قلت : فإذا كانت مشيئة اللّه تعالى سابقة وإرادته متقدّمة ، فلم يبق إلا التسليم والتفويض للّه والرضى بقضائه ، وأقل من ذلك الصبر الذي إليه ترجع شئت أو أبيت ، وللّه القائل :
وإني إن لم ألزم الصبر طائعا * فلا بدّ منه مكرها غير طائع
وقد تقدّم . وأذكرني هذا المعنى أبياتا قلتها إذ مات أبي رحمه اللّه تعالى :
من كان ذا إلف وفارقه * فلقد أصيب بأسهم الحزن
لا سيما إن كان صاحبه * قد قابل الإحسان بالحسن
لكن إلى الصبر الرجوع فهو * حصن منيع أيّما حصن
والصبر عند الحرب في الصدمة * الأولى وإلا قلّ ما يغني
أما الرضا من لم ينله فقد * أشفى على الحرمان والغبن
فارض بما يأتيك من قدر * أو فاصبر تفض إلى الأمن
ما بعد ما سميت منزلة * إلا لأهل الضعف والجبن
وللّه در الذي يقول :
شربوا بأكواس الرضى * فغذتهم تحف النسيم
صبروا على مرّ القضا * ورضوا بأحكام الحكيم
فهم الذين همو همو * أهل المودة في القديم
عذب العذاب بحبهم * فعذابه فيهم نعيم
قلت : درجة الرضى رفيعة ، وهي الأعلى من أهل لها منيعة ، كذلك من رضي رضي اللّه عنه ومن سخط سخط اللّه عليه .
ولي في هذا المعنى من شعر مطوّل أوّله :
قد قسم اللّه الخطط * بين الورى بلا غلط
فواحد فيها علا * وآخر فيها هبط
وفيهم من قد دنا * وفيهم من قد شحط
وكل ذا قدّره اللّه * وذا في اللوح خط
فارض بما أراده * وشاء من رفع وحط
ولا تكلف غير ذا * فتقعن في الشطط
فإن رضيت فالرضى * وإن سخطت فالسخط
فما أراد كائن * هذا هو الحق فقط