وكان هرم هذا أحد الفقراء الفضلاء المجتهدين رضي اللّه عنهم ، ولما نزل به الموت قيل له : أوصنا ، قال : ما لي شيء أوصي به ، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل ، وقرأ عليهم :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل :
125 ] إلى قوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] قال الحسن : ولما مات جاءت سحابة فظللت سريره ، فلما دفن رشت القبر ، فما أصابت حول القبر شيئا . وفي رواية : إنه كان يوما شديد الحر فلما نفضوا أيديهم من قبره جاءت سحابة حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه ولا أقصر ، فرشته حتى روته ثم انصرفت .
وقال ثابت عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى :
إِلَّا اللَّمَمَ
[ النجم : 32 ] : ألستم عربا ، أما سمعتم قوله : ( ومن زيارته لمام ) قال سفيان يريد قول الشاعر :
بنفسي من تغضبه عزير * عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه * ويطرقني إذا هجع النيام
أتنسى إذ تودّعني سليمى * بفرع بشامة سقى البشام
ويروى أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما دفع من جمع وهو يقول :
إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما
وقوله :
إليك تغدو قلقا وضينها * مخالفا دين النصارى دينها
أخرجه ابن قتيبة رضي اللّه عنه . قلت : والشيء يذكر بالشيء ، كنت قد صنعت أبياتا في طريق الغزو ، وعلمتها بعض الأصحاب ، فكنا إذا ركبنا متوجهين قلتها وهي :
إليك ربي لا إلى سواك * خرجت أسعى أبتغي رضاك
فلا تخيب سعي من رجاك * ولا تردّ سائلا دعاك
في أبيات سواها . والشيء يذكر بالشيء ، وكذلك اجتمع حولي أهلي يطلبون مني بعض ما يحتاجون إليه وألحوا عليّ ، فقلت :
يا إلهي يا إلهي * ليس يخفى الحال عنكا
كلهم يطلب مني * وأنا أطلب منكا
كذلك ، في أبيات انظر جميع ذلك في التكميل في فصل الزهد .
وجاء في معنى قوله : ( مخالفا دين النصارى دينها ) : إن كتب الأنبياء وصورها ،